الخميس، 4 أغسطس 2011

في حضرة الغياب



قد لايكون من الإنصاف أو الموضوعية التعرض النقدي لعمل درامي تلفزيوني من خلال الحكم على أول ثلاث حلقات من أصل ثلاثين أو أكثر.  لكن ما يدفعني لعدم الموضوعية هو إستحالة الحيادية، وذلك لخصوصية الشخصية موضوع المقال.

مع كل التقدير لنخبة الفنانين من ممثلين وممثلات ولحسن نواياهم في إنجاز هذا العمل، فإنه من المؤسف أن يرتبط إسم محمود درويش بهذه الصورة الباهتة في ذهن من لم يعرفوه ولم يقرؤوه.  واللوم هنا يقع على المخرج نجدة أنزور لإختياره الخاطىء للموضوع أولاً وللممثل الرئيسي فراس إبراهيم ثانياً.  ليس إنتقاصاً من قدرة الفنان إبراهيم التمثيلية، ولكن لمحدودية البنية الجسدية وكذلك التعبيرية فيما يتعلق بقدرته على تقمص شخصية وجدانية عملاقة كشخصية محمود درويش، هذا إذا إفترضنا جدلاً أن حياة درويش قابلة للعرض تلفزيونياً في المقام الأول.  فالبنية الجسدية للممثل لا تتناسب مع قامة درويش المشدودة، وكذلك تعبيرات وجهه الطفولية لا تتناسب مع ثبات الملامح وجديتها على مُحيا درويش. هذا فيما يتعلق بتصوير الشخصية.
أما إختيار الموضوع فأعتقد أن سيرة حياة درويش لا تصلح بحد ذاتها كعمل قصصي، فهي قد لاتختلف عن حياة أي فرد عادي في تفاصيلها اليومية. ولا يمكن تقديم محمود درويش بقيمته الفكرية والأدبية من خلال بعض القصص والمواقف، فحياته ليست قصة حب مشتعلة، ولا معارك بطولية، ولا مطاردات نسائية.  حياته هي نصوص فلسفية لا يمكن سردها ضمن حدّوتة تلفزيونية حتى وإن تخللتها مشاهد عاطفية ممتلئة بقبلات وأحضان جريئة.   
لم يكن درويش شخصية سطحية ولا هلاميه تتمايل وتترنح في رومانسية مراهقة، ولم يكن يطلق إبتسامات بلهاء طفولية.   محمود درويش كان نبياً لشعب ضُرب عليه التيه ستون عاماً، كان رسولاً مخولاً لفضح مهزلة الزمان وتحدّيها، كان ناطقاً رسمياً بإسم الحجر وشجر الصنوبر وأحلام تناثرت وسحقت تحت أقدام الغزاة، كان جاراً للمسيح، كان حوارياً بعث من زمن بعيد، كان حبراً، وكان صوتاً يسكن شعباً ويقض مضجعه. 
عند التطرق لهكذا شخصية لا يوجد مكان للمجامله ولا تقبل المساومة.  لا يمكن إختزال محمود درويش في دراما تشويقية تتخللها الإعلانات التلفزيونية.  محمود درويش ليس قصة حياه، محمود درويش هو فلسفة حياه، هو تعاليم كنعانية جائت من كتاب ضائع، كتاب شعب تمت مصادرته، كتابٌ عَكَفَ عليه الكهنة تزويراً وتحريفاً وبهتاناً، فتحول إلى ملهاة.  محمود جاء مبشراً ومخلصاً لشعب أثقلته المصائب، لشعب أرهقه التيه والضياع فعَبدَ عِجلاً بدلاً من إله.   
لايمكننا التطرق بنقد موضوعي لمحاولة تزوير، حتى مع حُسن النوايا ودقة التوثيق، فشخص محمود هو ملكٌ لشعبٍ في أرضه وشتاته.  هو تاريخٌ ونبوئةٌ مستقبلية تم توثيقه في دَواوين وكُتب، من أراد معرفته فسبيله الوحيد هو قراءته والتوجع في دراسته، وليس مشاهدته للترفيه. 
"يا أيها المتفرجون، تناثروا في الصمت،
وإبتعدوا قليلاً عنه كي تجدوه فيكم، حنطة ويدين عاريتين،
وابتعدوا قليلاً عنه كي يتلو وصيته، على الموتى إذا ماتوا،
وكي يرمي ملامحه على الأحياء إن عاشوا."
محمود جاء شاعراً فيلسوفاً يدعو شعبه لهجر مراقده، للتأمل، للتفكر، للتحليق، ليس مع أسراب السنونو فحسب، بل كطائر فينيق، يصحو من تحت الرماد فيلفظ ناراً في وجه الغزاة.  لذلك نرجوكم ونرجوكم، 
"لا تسرقوه من السنونو، لا تأخذوه من الندى، 
لا تسرقوه من الأبد وتبعثروه على الصليب، 
فهو الخريطة والجسد، وهو إشتعال العندليب."

كميل حلمي 04/08/2011


السبت، 2 يوليو 2011

صديقي القوّتْجي


كنت قد أشرت سابقاً إلى حنين دائم لغرائز بدائية تسكننا وتتجلى في سلوكنا اليومي بشكل مبطن، أو بشكل مُقَنَّعْ.  لا مجال هنا لتعداد جميع تلك الغرائز، فهي كثيرة.  لكن لعل أكثر تلك الغرائز تجليا ًهي رغبتنا الدائمة بتحقيق إنتصارات وهمية أو حقيقية على الخصم، أي خصم.  حتى وإن لم يكن هناك خصم، نقوم بإختلاق ذلك الخصم وإعطائه صفات وأشكال متخيلة من رصيد غرائزنا البدائية، ومن ثم نقوم بإسقاط ذلك الخصم الإفتراضي بملامحه وسلوكياته الإفتراضية على شخص نعرفه أو مجموعة من الأشخاص، ليكتمل عندها خلق الخصوم من العدم وتحويلهم إلى شخوص حقيقية لها صفات وأسماء تعيش في واقعنا المحسوس.  ومن هنا وقد تهيأت شروط المواجهة بحضور الخصوم وجميع مبررات القتال، تبدأ معاركنا الدونكشوتية.  ولا تنتهي بوقوع الخصم أو إيذائه، بل تبدأ بعدئذ مرحلة أخرى ألذُ وأشهى، وهي مرحلة الإيغال في الإنتقام من الخصم بسبب تجرئه، أو بالأحرى بسبب تجرئنا، على تخيل عدوانيته الهمجية وتهديده لنا ولمصالحنا وأنانيتنا المطلقة.  وعند إنتهاء المعركة، تبدأ معركة أخرى، وتلك معركة الخصم للإنتقام منا.
عن هذه وعن تلك، يحضرني نموذج لأحد المقربين المتمرسين في "البزنس".  كيفين لوماكس، له من فنون القتال ما لا أمتلك عُشْره، وله أيضاً من أساليب المراوغة والخداع (عُذراً صديقي) ما لم أجده حتى في الكتاب الأسود.  نختلف سياسياً إلى أبعد الحدود، ونختلف أكثر في أساليب العمل المهني.  أنا أطبق ما أعتقد أنه قواعد مهنية، بينما هو يطبق قواعده الأفعوانية للنيل من الخصم، العميل أو الزبون في هذه الحالة، ولاينتهي الأمر عند العميل، بل يمتد غالباً لزملاء العمل وذلك لإفتراس الطريدة بشكل منفرد.
لم يحتدم الخلاف بيننا ولم نصطدم يوماً، حتى في نقاش أدق المواضيع السياسية حساسيةً، بل على العكس كانت دائماً تربطنا علاقة فريدة من المودة، ربما بسبب دماثةٍ نتبادلها أو ربما لتكامل النقيضين.  كذلك لم نخض معارك دونكشوتية مشتركة، ولكن كل منا راقبَ معارك الآخر عن بعد.  في خضم معركته الأخيرة والحاسمة، فاجأني بإعتراف فج حول نظرته لذاته.  إنه يدرك إزدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بذاته الشخصية.  هو يدرك أنانيته المفرطة في قراراته، حتى وإن تجاهل في ذلك رغبات أقرب الناس إليه، ومع ذلك لاينكر شهوة الإستمرار والنصر والإخضاع، وفي نفس الوقت يعيش ذلك الصراع الداخلي المرير حول مبدئية القرار.  نعم، مبدئية القرار.  
هو تراوده غواية الإرتقاء مع العِلم بالثمن الباهظ والنتائج، وكذلك تراوده غواية الإنسحاب مع العِلم بالثمن الباهظ والنتائج.  لم أتفاجئ من مدى تطابق ذلك مع صراعات لا نهائية أعيشها، أو على ما يبدو نعيشها جميعاً، كلٌ حسب مرجعياته المبدئية.  واقع الأمر أن كل منا يحمل غوايته في ذهنه، كلٍ منا يخلق شيطانه، كل منا يقدس أنانيته وذاته المطلقة.
إعتقدت طويلاً أننا مختلفان، كم كنت مخطئاً، كم نحن متشابهان.... بل كم نحن متشابهون.
أكنت أتحدث عن صديقي كيفين لوماكس أم عن جون ميلتون، أم ربما عن نفسي؟ أو علني قصدتُكَ أنتَ أو قصدتُكِ أنتِ، أم كنت أتحدث عنّا جميعاً؟  هل كل معاركنا معارك حقيقية أم دونكيشوتية؟  هل نسعى لإفتعال المعارك أم تفرض علينا؟  هل يمكننا البحث عن نقاط الإلتقاء بقليل من التواضع أم نستمر في ترسيخ الخلاف من أجل النصر والإخضاع.
طبعاً اسم صديقي الحقيقي ليس كيفين لوماكس، ولكن الاسم مستوحى من فيلم "محامي الشيطان" (Devil's Advocate) لألباتشينو وكينو ريفز، فالحالة هنا مشابهة إلى حدٍ ما، مع إختلاف في التفاصيل.  هل ينجح جون ميلتون في غوايته؟ هل يقبل كيفين الغواية أم يطلق الرصاص؟  هل هما شخص واحد؟ ربما نعرف غداً، أو ربما نستمر في الجهل.
جميعنا نخوض نفس المعارك. تختلف الأساليب، تتفق الدوافع، وتلتقي الغرائز. كلنا كيفين لوماكس وكلنا جون ميلتون. كلنا قديسون  يا أصدقائي، كلنا شياطين. 

كميل حلمي 02/07/2011

الجمعة، 24 يونيو 2011

إستحضار الهمجية الأُولى


الحاكا (Haka) هي رقصة حرب قديمة كانت بعض القبائل النيوزلندية تمارسها عند الإلتقاء بالأعداء قبل المعركة.  كان المحاربون يقومون بتلك الرقصة بشكل جماعي لبث الرعب في خصومهم وتحذيرهم من بطشهم وجبروتهم من خلال حركات وإيماءات همجية تنذر بالقتل والسحل، وتهدد بإنتهاك الفحولة والأنوثة على حد سواء.  يعلو الصراخ والسباب والأصوات المرعبة، وتجحظ العيون و يبدأ الطرق بالأيدي والأرجل تهديداً ووعيداً مع إشارات فاحشة تنبئ بما قد يحدث للطرف الآخر.  ومع مرور الزمن تعددت أشكال وتوظيفات تلك الرقصة حتى تحولت إلى جزء من التراث الشعبي النيوزلندي وأصبحت بدعة عند فريق الرجبي يؤديها اللاعبون أمام الفريق الخصم قبل بدء المباراة.
لا أدري ما سر إختيار مدراء الشركة التي أعمل بها لتلك الرقصة بالذات كمِسْكِ الخِتام للإجتماع السنوي العام.  فالشركة التي أعمل بها هي واحدة من الشركات العالمية التي لاتغيب عنها الشمس، حتى أن لها تقويماً سنوياً خاصاً وفصولاً مالية خاصة تختلف عن الفصول التي نعرفها.  كذلك لها نظام إدارتها الخاص ورؤساء معينون، وميزانيتها الخاصة وإستراتيجياتها وسياساتها الخاصة أيضاً.  ولست أبوح بسرٍ  إذا قلت أن دخلها السنوي العام يفوق الناتج المحلي الإجمالي للأردن أو لعدد من الدول النامية مجتمعة، ناهيك عن معدل النمو السنوي الذي يبلغ أضعاف معدلات النمو السنوي في عدة دول أخرى.  وطبعاً كأي شركة عالمية ناجحة كان الخطاب السائد في الإجتماع هو إستغلال الفرص وعدم إضاعة أية فرصة ممكنة لصالح المنافسين، وفي حالة عدم وجود فرص كافية لتحقيق الأرقام يجب خلق فرص جديدة من العدم وإستغلالها.
هذا طبعاً على مستوى مؤسسة من الرقي المهني والأخلاقي كالشركة التي أعمل بها، فما بالكم إذا تحدثنا عن شركاتٍ أخرى كشركات السلاح العالمية، أو شركات الدفاع كما يفضلون تسميتها، والتي منها ما يفوق حجماً ودخلاً ووزناً وتأثيراً عدة مؤسساتٍ مسالمة كالشركة التي أعمل بها.  فهل يا تُرى يرقص مدرائها التنفيذيون "الحاكا" أمام موظفيهم، و هل يدعوهم أيضاً لخلق فرص جديدة في حالة عدم كفاية المتوفر منها لنمو أعمالهم؟  ما شكل الفرص المطلوب خلقها، وما هي أساليبهم الخلاّقة في خلقها؟  
أتمنى أن لا أضطر يوماً للعمل مع شركة من هؤولاء.      
فيما بدا كأنه حنين أو إستحضار لهمجية بائدة، إنتهت رقصة الحاكا التي شارك بها بعض المدراء المحترمين وعدد من الموظفين المتحمسين بمصاحبة الفرقة الإستعراضية النيوزلندية، وذلك في مواجهة جموع من الموظفين المذهولين.  ضحكنا وصفّقنا، وضحكت وصفقت، ولكن لا أدري لماذا شعرت بالقرف والغثيان فور إنتهاء الضحك والتصفيق.   
بقي أن أقول أنني كرئيس غير منتخب، ولكن شرعي بلا أدنى شك، حتى وإن كان ذلك بمحض الصدفة البيولوجية، أجد نفسي مضطراً للإنصياع لإملاءات الحكومة والهيئات التنفيذية العليا المتمثلمة جميعاً بِشخصية "المدام".  وتنفيذاً لرؤيتها لمصالح البيت والأسرة وتوفير الحياة الرغيدة للمواطنين وتعليمهم في مدارس لاتقل في حدها الأدنى عن الشويفات، وتوفير إحتياطي نقدي كافٍ من العملات الأجنبية لضمان المستقبل، أجد نفسي مضطراً لإستمرار الإرتباط والعمالة لصالح مراكز رأسمالية إحتكارية عالمية همجية عابرة للقارات كتلك التي أعمل بها.  مع الإبقاء في السياق ذاته على علاقات دبلوماسية سمجة مع ممثلي هيئات شبيهة ورؤساء أقل أهمية حسب ما تقتضي البراغماتية العملية، وشروط الحياة الإجتماعية.
لذلك وللأسف، باءت بالفشل جميع محاولاتي "الغير جادة" للإنعتاق وفك الإرتباط مع تلك المراكز تحسباً وخوفاً من إنتفاضات داخلية أو مطالبات جماهيرية بإسقاط النظام.  
و إلى حين إعادة تعريف علاقات الإنتاج والملكية الأسرية، لنا حديث.

كميل حلمي 24/06/2011



السبت، 18 يونيو 2011

الحقيقة وراء "فيلم" ربيع الأربعين، وأشياء أخرى


أولاً، وقبل البدء في قراءة هذا المقال أرجو التفضل بقراءة المقال السابق "ربيع الأربعين".  وبعد قراءة ذلك المقال أرجو إعادة قراءته، أو الإمعان في قراءة ما كتب بين السطور.  
ثانياً، أرجو المعذرة من الأصدقاء اللذين وقَعوا في اللُبْس بعد القراءة السريعة للمقال المذكور، وممن قد طلبوا مني الأسم الانجليزي للفيلم ولم أجب على طلبهم، وكذلك الذين إقترحوا إنشاء صفحة على الفيسبوك من أجل الإفراج عن "الفيلم".  
ثالثاً، لمن وقع في لُبس القراءة الأولى وكان قد تسرع في قراءتي في مرات سابقة، أرجو التروي في المرات اللاحقة، وعدم التسرع في إصدار الأحكام والإستنتاجات، حيث من الواضح سهولة الوقوع في اللبس في ظل ما نعيش به من خلط وفوضى تستدعي منا التأمل والتفكر في كل ما يجري بشيء من الهدوء والتدقيق. 
فكما أوضحت في نهاية المقال المذكور، لا وجود لفيلم بذلك الأسم ولاحتى مجرد تفكير بإنتاجه.  إنما سعيت من خلال ذلك المقال لتوضيح حقيقة تغيب عن أذهاننا، تماماً كما تغيب عن أعيننا تفاصيل لانريد رؤيتها في خضم حماسنا ورغبتنا برؤية ما نريد رؤيته وتجاهل كل ما لانريد، أو تجاهل كل ما قد يسبب لنا بعض الألم والإحراج.
تلك الحقيقة هي أننا متحمسون في طبعنا وإنفعاليون لدرجة التخبط، تماماً كالغريق التواق للتشبث حتى بقشة.  وهنا لا أستثني نفسي من ذلك التوصيف، وأعتقد آسفاً أننا في المجمل العام نطفو على شِبرٍ من الماء، وأحياناً أكثر نغرق في نفس الشِبرْ.  وهذا راجع إلي ما ذكرته سابقاً (تأملات في ربيع الشعوب العربية) من خلل في العقل العربي، ذلك الخلل الذي إستطاع غيرنا تشخيصه والإستفادة منه لدرجة تقترب من السيطرة على أنفعالاتنا وتوجيهها أو توجيهنا جماعياً بما يخدم مصالحهم وليس مصالحنا.  تماماً كالخاضع للتنويم المغناطيسي ينفذ ما يؤمر به دون وعي أو إدراك بمجرد إصدار الإشارة أو "الكود" المبرمج في لاوعينا، ومن ثم العودة ثانية إلى مراقدنا.
يدفعني هذا للإشارة مجدداً إلى طريقة إدارتنا لثوراتنا وثرواتنا من دماءٍ وأرواح في لحظة تاريخية طال إنتظارها.  في الوقت الذي نمتلك فيه منطق وفكر وأدوات القرن الواحد والعشرين لا نزال نماهي ثورات القرن الثامن عشر بألياتها وأساليبها ودماءها ومآسيها.  بل نحن الآن أقل وضوحاً من القرن الثامن عشر.  في حين كانت الثورة الفرنسية تمشي على خطى فلاسفة ومفكرين ولدوا من رحم معاناة الشعب الفرنسي وحملوا أفكار ومبادئ خلاصه مثل فولتير وجان جاك روسو وغيرهم ممن وضعوا مبادئ الحرية والمساواة وفصل السلطات وإستقلالية الدولة عن الكنيسة، لانرى في ثوراتنا من قدم فكراً واضحاً أو حتى برامج إصلاحية متكاملة تنهض في المجتمع نحو حياة أفضل أو تنهض بالدولة نحو إستقلال حقيقي.  كم إسماً نعرف من هؤلاء القادة الإفتراضيين؟ هل قرؤوا هشام شرابي؟ هل سمعوا بمؤلفات محمد عابد الجابري؟ هل درسوا سيكولوجية مجتمعاتهم كما قدمها مصطفى حجازى، هل عرفوا عبد الوهاب المسيري؟ هل إختلفوا مع جورج طرابيشي؟ 
ألم نسألهم ماذا بعد الإطاحة بلويس السادس عشر؟  هل يأتي روبسبير السفاح، أم يأتي بونابارت الإمبراطور؟ هل يأتي عبد الحليم خدام أم يأتي وائل غنيم؟  هل يأتي قادتنا الجدد من القرن الثاني عشر أم من زمن الأئمة المجتهدين؟ 
هل نعي ما نفعل، أم إنها إطاحة بالنظام والسلام؟  هل يمكننا السباحة إلى بر الأمان، أم نستمر بالتخبط والتوهان؟ هل أجدنا السباحة أولاً، أم نتعلمها بعد مقتل الربان؟

تلك أسئلة برسم الإجابة من قِبَل قادتنا المحتملين ومن قِبَل من يطلق النار على من يتجرأ على السؤال. 

كميل حلمي 18-06-2011

السبت، 11 يونيو 2011

ربيع الأربعين


أكاد لا أستطيع إلتقاط أنفاسي في عجالة كتابة هذا المقال حتى لاتخونني ذاكرتي بعد مشاهدة العرض الخاص لهذا الفيلم، والذي تم بظروف إستثنائية جداً الليلة الفائته.  فلا أعتقد أن بإمكاني مشاهدته مرة أخرى قبل الإفراج عنه رسمياً، خصوصاً بعد القرار بمنع عرضه أو الترويج له في الإعلام حتى صدور قرار المحكمة الإتحادية الأمريكية.  وهذه دعوة للجميع للمشاركة بشتى الوسائل الممكنة للضغط في سبيل إسقاط الدعوى المقامة والإفراج عن الفيلم.

"ربيع الأربعين" هو فيلم جديد من النوع الدرامي التسجيلي للمخرج العالمي جيمس كاميرون مخرج فيلم آفاتار الشهير "Avatar" وصاحب أعلى مبيعات في تاريخ هوليود، والذي في نفس الوقت كان قد حرم من جميع جوائز الأوسكار لصالح فيلم ذي هيرت لوكر "The Hurt Locker"،  الفيلم الأول لزوجة كاميرون السابقة والذي مع سخافته المطلقة حصد جميع جوائز الأوسكار ذلك العام.  بالطبع كان ذلك بمثابة عقاب واضح وفي الصميم لكاميرون لتجرأه على تعرية و مهاجمة العدوانية الإستعمارية و همجية الإحتلال في كافة أشكالها من خلال فيلم آفاتار.  الجميع كان قد راهن بعد ذلك على أن كاميرون سيتعلم من الدرس ويخر طلباً للسماح، ولكن كان رد كاميرون الآخير مدوياً من خلال فيلم "ربيع الأربعين" والذي بمجرد عرض لقطاته الدعائية الأولى قامت الدنيا ولم تقعد وتم فوراً تحريك قضية إتحادية لمنع عرضه الذي كان من المقرر بدأه في تاريخ الخامس من حزيران الجاري.  كما تمت إزالة كافة المواد الإعلانية والدعائية عن الفيلم بما فيها موقع الفيلم على شبكة الإنترنت ومقدمته الدعائية على اليوتيوب، وكذلك صفحته على الفيسبوك.

المفاجئآت عن الفيلم لم تنتهي بعد.  الفيلم وإن كان يميل إلى النوع التسجيلي الوثائقي أكثر منه إلى الدرامي السينمائي، فهو من بطولة نخبة كبيرة من نجوم هوليود بالإضافة إلى عدد من النجوم العرب.  شارك في الفيلم كل من جورج كلوني، ليوناردو دي كابريو، مات ديمون، بسام كوسا، تيم حسن، خالد أبو النجا، وعدد من الممثلين الأتراك لا أعرف أسمائهم، مع ظهور بسيط أيضاً لروبرت دي نيرو كمقدم للفيلم مع تعليق صوتي له على بعض المشاهد التسجيلية.

طبعاً وكما يوحي أسم الفيلم وتاريخ عرضه المفترض، يمكنكم الإستنتاج بأن الفيلم يدور حول إنتفاضة الشعوب العربية مع ربط ذلك بأربعين سنة (أو يزيد) من تاريخ النكسة والإحتلال.
وقد جاء قرار كاميرون بالتصعيد ومعه كل هؤلاء النجوم بمثابة هدية تضامن مشكورة للشعوب العربية في ربيعها الزاهر، وفي ذكرى نكستها.  فهو في هذا العمل لاينتقم لنفسه بقدر ما يلتزم إنسانياً تجاه قضايا شعوب المنطقة، وذلك بتعرية إزدواجية المعايير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وإسرائيل، وكذلك أساليبها الخداعية الخبيثة والمتخمة بالإجرام و التلاعب بمصالح ومصائر الشعوب بما يخدم مصالحها الذاتية وحسب.  يلجأ كاميرون في ذلك بإتباع أسلوب جديد، وهو أسلوب التأليف الجماعي الإرتجالي، كولابوراتيف أوثيرينج (Collaborative Authoring)، بإشتراك عدد من كتاب الدراما والقصة وحتى بعض الممثلين أنفسم، وخصوصاً "مات ديمون" كما ذُكر في مقدمة الفيلم.

أسلوب كاميرون الدرامي الوثائقي إعتمد على تداخل مشاهد تمثيلية قام بها نجوم الفيلم، مع عرض أجزاء من أفلام سينمائية أخرى مشهورة سنأتي على ذكرها لاحقاً.  كما إعتمد أيضاً على عرض لقطات تسجيلية وإخبارية حقيقية مثل بعض المظاهرات في سوريا واليمن، وصور لبعض المعارك في ليبيا، وكذلك مشاهد من المسيرات والإحتجاجات في الأردن، حيث أعتقد انني إستطعت أكثر من مرة تمييز ملامح النقابي المعروف خالد رمضان في بعض تلك المشاهد.  لا أدري إن كان ذلك بإتفاق مسبق أم بمحض الصدفة.
كان ذلك طبعاً أحد الأسباب الرئيسية المزعومة لتحريك الدعوى القضائية ومنع الفيلم من العرض بحجة إنتهاك حقوق الملكية الفكرية لمنتجين تلك الأفلام السينمائية و حقوق بث المشاهد الإخبارية للمحطات الفضائية.

تدور قصة الفيلم حول ثلاثة شخصيات رئيسية.  الشخصية الأولى، جورج كلوني، رئيس أحد اكبر شركات الاعلام والانتاج السينمائي، والذي يَنظر إلى العالم من خلال شاشة البلاك بيري الصغيرة، معتقداً أنه في تواصل مباشر ودقيق مع الاحداث أولاً بأول، وبتواصل دائم مع مراسليه ومنتجيه ومع مراكز مؤسسته في نيويورك و هوليود.  لتبدأ بعد ذلك رحلته بإكتشاف الشرق الاوسط بمنظور أوسع نسبياً بمجرد هبوطه في اليمن حيث يُصدم بأن الناس هناك ترى الامور بشكل مختلف، وربما أوضح، ولعل ذلك بسبب عدم إستخدامهم لتلك الوسائل المقننه لرؤية العالم بمنظور فرضته آلة الاعلام والاتصال العالمية (مثل مؤسسته)، والتي ترتبط بشكل عضوي بمراكز السياسة الامريكية وشركات الطاقة والأدوية و السلاح من خلال التمويل المباشر أو غير المباشر عن طريق عوائد الدعاية والإعلان.  فالهدف الأساسي لمهمته في الشرق الأوسط هو صناعة وهندسة الأخبار والقصص واللقطات الإخبارية بما يخدم إملاءات أحد دوائر وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية ممثلة بالشخصية الرئيسية الثانية، بسام كوسا، عميل الإستخبارات الأمريكي من أصل سوري والملحق التجاري في السفارة الأمريكية في الأردن.  بسام كوسا، بأداءه الواثق لم ينطق كلمة إنجليزية واحدة طوال الفيلم وإكتفى بالعربية وباللهجة السورية، ومع هذا كان أداءه رائعاً ومبشراً بعالميته.
ليوناردو دي كابريو يلعب دور مدير تطوير الأعمال لأحد التجمعات التجارية العملاقة والتي تتألف من مجموعة من شركات السلاح والأدوية والنفط والإنشاءات، والذي بدوره ينقل رغبات ذلك الإئتلاف التجاري إلى "مات ديمون"، الشخصية الرئيسية الثالثة والذي يقوم بدور أحد الشخصيات الدبلوماسية في الخارجية الأمريكية، وذات العلاقة الوطيدة بشخصيات سياسية وإقتصادية إسرائيلية وشرق أوسطية.
       
على إمتداد ثلاثة ساعات وتسعة دقائق تتابع أحداث الفيلم على طريقة "الفلاش باك" خلال تجوال جورج كلوني في بلدان الربيع العربي لصنع الأخبار، وخلال ذلك يستحضر بذاكرته عدد من الأفلام السينمائية المعروفة والتي كانت شركتة قد قامت بإنتاج عدد منها، مثل فيلم "واج ذي دوج" (Wag the Dog) لدَستين هوڤمان وروبرت دي نيرو.  ذلك الفيلم الشهير الذي يدور حول إصطناع مشاهد حرب أهلية وتطهير عرقي في أحد البلدان من أجل تهيئة الرأي العام الأمريكي لشن حرب تدميرية والتدخل العسكري في تلك المنطقة.  وكذلك فيلم "سيريانا" (Syriana) لجورج كلوني أيضاً، والذي يُظهر كيفية إلتقاء مصالح الإئتلافات التجارية العالمية مع صناع السياسة الأمريكية وعلاقاتهم الغرائبية بمنظمات ثورية وكذلك قيامهم بتنظيم إغتيالات سياسية وردع فرص التغيير في دول ذات أهمية إستراتيجية، وذلك حتى من خلال تلفيق تفجيرات إنتحارية و قلب أنظمة الحكم في تلك الدول.

ثم ينتقل جورج كلوني إلى الأردن بعد إستدعاءه من قبل بسام كوسا، حيث تبدأ صحوة الضمير بعد تعرفه على "أبو زيد الهلالي" (تيم حسن) المراسل الصحفي، وذلك في إشارة طريفة على ما يبدو إلى ياسر أبو هلالة، مراسل قناة الجزيرة.  وهناك وفي خضم المسيرات الإحتجاجية و إلتقاءه مع أطياف مختلفة من الشعب الأردني، يبدأ بربط معاناتهم و أوضاعهم المعيشية والسياسية وحتى مصائر بلدانهم بقرارات يتم إتخاذها ريل تايم "Realtime" من خلال البلاك بيري بتأثير أشخاص وضيعين من أمثاله، بحكم مواقعهم وتأثيرهم على الرأي العام العالمي.  وخلال لقاءه مع بسام كوسا في مقر السفارة الأمريكية، يستحضر أنذاك فيلم بودي أوف لايز (Body of Lies) الذي تم تصويره في الأردن والذي يظهر قدرة المخابرات العالمية على إختراق المنظمات الإرهابية وتوجيهها لأغراض نبيلة في معظم الأحيان وأغراض غامضة في أحيان أخرى.
وإلى ذلك تتتابع الأحداث حيث يلتقي في مصر مع وائل غنيم (خالد أبو النجا) في برنامج تلفزيوني عالمي للقيادات الشابة، ومن ثم ينتقل للمرة الأخيرة إلى اليمن بصحبة "مات ديمون" للإلتقاء بعلي عبد الله صالح (جمال سليمان) وذلك في وقفة قصيرة أثناء طريقهم إلى الدوحة. 
أما في الدوحة، وبعد صحوة الضمير، وأثناء نقاش خلافي حامي الوطيس يقوم ديمون بإخبار كلوني بأن صديقه الجديد أبو زيد الهلالي قد تم تنويمه مغناطيساً منذ زمن على شاكلة أفلام ذي بورن أيدنتتي (The Bourn Identity) و ذي مانشوريان كانديديت (The Manchurian Candidate).  يقرر كلوني أنذاك العودة بسرعة إلى الأردن لإنقاذ أبو زيد، وتكون صدمته الكبرى عند إختلاسه السمع لحوار بين إثنين من المخبرين السريين (الممثلين الأتراك) أثناء وجودهم في نفس الحافلة، حول برنامج سري للتنويم المغناطيسي الجماعي، لارج سكيل نيرولوجيكال هيبنوسيس (Large Scale Neurological Hypnosis) والذي تم إجراء التجارب عليه بنجاح على إمتداد عدة سنوات في كل من باكستان وأفريقيا، ويتم حالياً تطبيقه بشكل عملي في منطقة الشرق الأوسط.
ينتهي الفيلم بعدها بمشهد مؤثر حين يترجل كلوني من باص المؤسسة ويقوم بتحطيم جهاز البلاك بيري وإستبداله فوراً بجهاز آي باد (iPad 3G) بشاشه لمس 9 إنش، وذلك لرؤية العالم بشكل أوضح..... إنتهى الفيلم.

تمت الاشارة في بداية المقال الى أسلوب الكولابوراتيف أوثورينج المتبع في تأليف الفيلم، وذلك لضرورات فنية بحتة.  وهنا للأمانة الفنية تجدر الإشارة إلى إقتصار المشاركة على عدد من عفاريت الكتابة اللذين تم إستحضارهم خصيصاً لهذه الغاية بواسطة طقوس وشعوذات سرية لتأليف هذه القصة المختلقة جملة وتفصيلاً، وإن أي تشابه بالأسماء أو الأحداث مع أسماء أو أحداث حقيقية هو غير مقصود. 
وأخيراً، وعلى سبيل الأمانة الفنية أيضاً، تجب الإشارة إلي أن جميع ما ورد في هذا المقال هو محض إفتراء وهذيان من خيال كاتب المقال، المثقل بالهواجس والأفكار المشوشة بفعل متابعة قناة الجزيرة و المشاهده المتكررة للأفلام، وبالأخص ثلاثية ذي ميتريكس (The Matrix).  فلا جيمس كاميرون ولا جورج كلوني ولا كوسا ولا هيلمان.  كل ماهنالك هذه دعوة للتأمل والتفكير، وربما لمشاهدة الأفلام المذكورة آنفاً، بإستثناء الفيلم التافه (ذي هيرت لوكر).  

كميل حلمي 11-06-2011




السبت، 4 يونيو 2011

الإحتراف في إضاعة الفرص


لابد أننا شعوب من صُلبٍ فريد، نشترك فيما بيننا بخصائص جينية ضاربة في القدم، ربما منذ إنهيار سد مأرب وتشتت القبائل العاربة في أصقاع الجزيرة إلى شمالها وشامها.  وأحد الدلائل على تلك الوحدة الجينية والذهنية هو براعتنا الفائقة بتناحة الرأس وإضاعة الفرص.  وتلك خاصية نشترك بها بحكم التيه شمالاً وجنوباً، مؤيدون ومعارضون، متدينون وعلمانيون، حكاماً ومحكومون.  
أكاد شخصياً أحصي عديداً من الفرص أضعتها جراء تعنت وعزة بالإثم، وأكاد أجزم أن قارئ هذه الكلمات يستطيع أيضاً إحصاء حماقات إرتكبها ذات تحدٍ، مع يقين تام بعبثيتها.  ربما هذا يضعني أو يضعنا ولا فخر، في مقام القادة والحكام، فهؤلاء مصرون على إضاعة كل الفرص من أجل الإصلاح وإنقاذ أوطانهم ورقابهم من تسونامي شعوبهم الجارف.  فالأخير كان قد حدث من فعل الزلزال وصداه الراجع في مصر وتونس، وقد وصلت موجاته الأُوَل عدداً من الشواطئ، وموجات أخرى في طور التشكل.
و لعل هذا أيضاً وبكل فخر دليل على قرابة الدم من ذات الجماهير، والتي لازالت مصرة على إسقاط النظام أو الفناء التام في سبيل ذلك، وبغض النظر عن كل الفرص الحقيقية المتاحة من أجل التغيير والإصلاح بشكل أقل تدميراً من تسونامي تايلاند واليابان مجتمعان.
في نفس الوقت، تنتابني نشوة وزهو لتطابق جيناتي حتى مع نخبة النخبة من مفكرين وسياسيين عرب قضوا جل حياتهم في الإعداد وإنتظار الفرصة المواتية للتأثير البنّاء من أجل التغيير الإيجابي في مجتمعاتهم وتجسير الهوة بينهم وبين شعوبهم وأنظمتهم، وها هم أمام الفرصة السانحة مع شيء من التواضع، ولكن هيهات هيهات للتواضع، فالتذهب جميع الفرص إلى الجحيم ولتركب الأمواج عالياً إلى المجهول.  
إن الموج الجارف قادر فعلاً على إسقاط النظام، أي نظام، ولكنه أيضاً سيخلف وراءه الدمار وسيحمل معه أنقاض أوطان..... سجّل أنا عربي.

كميل حلمي 04/06/2011


الجمعة، 27 مايو 2011

ثوّار الفيسبوك

تثيرني التعليقات العابرة عند الحديث عن إنتفاضة الشعوب العربية، وكأن ما نتابعه يومياً من ذبح ودماء هو مسلسل تشويقي متعدد الفصول على قناة إم بي سي آكشن، أو مباريات  الدوري الإسباني لكرة القدم.  وما يثيرني أكثر ذلك التضخيم لدور من درجت تسميتهم "شباب الفيسبوك" في تلك الانتفاضات، والمقولة بأنهم هم وحدهم أصحاب التغيير بطريقتهم الخاصة وليسوا بحاجة الى القيادات الوطنية الغابرة بفكرها الثوري و الايدولوجي المنقرض.  وكأن كل ما تم إنتاجه من فكر سياسي وإقتصادي طوال قرون أصبح "أولد فاشن" و من المشين حتى التحدث به، وكأن من يقول به ينتمي إلي فصيلة التايروناصور.
أولاً، لايمكن القول بشكل دقيق بقيادة شباب الانترنت او الفيسبوك للثورة. كما أنه لايمكن القول بفتُوّة، أي صغر عمر، من شارك أو يشارك في الثورات وإستبعاد باقي الفئات العمرية، وكأن هذا الحراك هو حكر على من هم دون العشرين من العمر، أو على مستخدمين الانترنت والبلاك بيري فقط.
فمع الإتفاق على الدور المفصلي الذي يلعبه الإعلام الجديد من تبادل وتكثيف للأفكار وكذلك من تحريك للجماهير، لا يمكن إختزال مجمل الحدث وتداعياته الى هذا الحد من التسطيح.  كما لايمكن توصيف من يدير صفحة على الفيسبوك بأنه قائد للثورة أو منَظِّر لها، أو قائد للجماهير، بقدر ما هو في الحقيقة ضابط إدارة فعّال للإتصال والإسناد الإعلامي، ولا شك في تأثيره على مجريات الأمور.  فإذا نظرنا بجدية الى محتويات "الحائط" بلغة الفيسبوك لأي من  "المواقع الرسمية" للإنتفاضات الحالية، وجدناها عبارة عن جمل متفرقة لاتكاد تشكل فقرة مفيدة بحد ذاتها، إضافة الى دعوات وتعليقات من هنا وهناك وصور وروابط.  وعلى أهمية هذه المواد الإعلامية كمواد تعبوية، لايمكنها مجتمعة أن تشكل وعي ذهني متكامل أو برنامج سياسي واضح الملامح يمكن للجماهير إتباعه للإصلاح، ناهيك عن وصفه كنظرية ثورية.
لذلك لابد من وضع الأمور في نصابها وفي سياقها الطبيعي بعيداً عن التصفيق والذهول والتسابق بإبتداع التوصيفات، وكأن ما كان من فعل للمشاركين على صفحات الفيسبوك هو قدرات خارقة إختصت بها أنصاف آلهة هبطت حديثاً من السماء.
فهؤلاء الشباب والكهول هم نفسهم أبناء الجيل السابق والحالي بكل مكوناتهم الجينية والفكرية وبكل إرثهم ووزرهم الثقافي والاجتماعي.  كل ما هنالك أنهم، و بحكم المتاح، استخدموا الأدوات المتوفرة تلقائياً في هذا العصر، ولو أتيحت هذه الأدوات لآبائهم أو لأجداد أجدادهم لكان نفس الفعل.
لذلك وبغض النظر عن الفئة العمرية، الشعب هو الشعب، والجماهير هي الجماهير، ولا بد من تَدخُل قيادات فكرية وسياسية ناضجة وواعية لوضع برنامج إصلاح وإستقلال وطني بأقل قدر من الدماء والأرواح.  ولابد أيضاً للجماهير وثوار الفيسبوك من الإستماع لصوت العقل وإعطاء الفرصة للإصلاح حتى تؤتي ثورتهم ثمارها.  ولا أعتقد هنا إن جوجل أو تويتر بصدد الإعلان قريباً عن الإصدار الجديد من "دليلك إلى الديمقراطية والإستقلال الوطني - نسخة الشرق الأوسط".

كميل حلمي 27/05/2011

الأربعاء، 25 مايو 2011

رأي شخصي في كتابات أحلام مستغانمي ومسلسل ذاكرة الجسد


أذكر أن أول مرة تعثرت بها برواية "ذاكرة الجسد" كانت عندما قرأت خبراً في صحيفة يفيد برغبة الفنان نور الشريف أن يقوم بأداء دور البطولة في فليم يدور حول تلك الروايةكان عنوان الرواية آنذاك مثيراً للانتباه، وقد زاد من إهتمامي معرفة أن الرواية هي لأديبة جزائرية لم أكن قد سمعت بها من قبل.  في ذات المساء ذهبت باحثاً عن تلك الرواية التي لم تكن متوفرة بعد في الإمارات العربية، فقمت بطلبها من صاحب المكتبة على أن يوفرها لي في غضون أسبوع.  كان ذلك على ما أعتقد في سنة ١٩٩٧ أو في سنة ١٩٩٨، لم أعد أذكر.  
تأخرت الرواية عن الوصول وقد توالى إهتمامي بعد علمي بأن الرواية مرشحة أيضاً لنيل جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية. 
لم يخب ظني بعد أن بدات بقراءة الرواية بِلُغَتها الشعرية الأنيقة والتعابير القبّانية في العشق التي عجز عن الإتيان بها كثير من مبدعي الشعر الحديث.  كانت فعلاً رواية تقف بين الزحام، كانت مليئة بدهشة الإنفعالات الرجولية وأسرار الهزيمة التي لا يمكن أن يعبر عنها بكل تلك المصداقية إلا رجل تشظى طعناً بالوَلَه والغيرة، وإمتلك لسان نزاركان ذلك محور الإبداع في تلك الرواية، مشاعر رجل مذبوح مَسْطورة بحبر إمرأة إمتلكت موهبة شعرية فذّة.  كذلك كان كتاب أحلام مستغانمي الثاني "فوضى الحواس" مع إختلاف لسان الحال، حيث أذكر أيضاً نشوتي المتكررة مع تلك التعابير المجازية والتشابيه الشعريّة الذكية.  كانت الأفكار والصور تنساب بتلقائية و تبدو جميلة على صفحات الكتاب، و كانت أيضاً تختلس النظر و تشي بأقدس أسرار الغرام.  لكن لم يكن الأمر كذلك مع "عابر سرير"، فقد كان متطفلاً ثقيل الدم على تلك الذاكرة المحرمة.  لاأخفي بأنني ضقت ذرعاً بالتكرار وإجترار المشاعر والذكريات، ولاأخفي بأنني بسبب ذلك لم أكمل قراءة الكتاب، ولكن دون أن ينقص من تقديري لتلك الموهبة الفذة التي يجب أن تعطى حقها بين أفضل كتاب الرواية العربية.  

إن المتأمل في ثلاثية الكاتبة (ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير) سوف يلاحظ التكرار في الروايات الثلاثة، حتى مع إختلاف لسان الحال من السرد بلسان رجل في الكتاب الأول الى السرد بلسان إمرأة فيما تلاهكذلك لابد أن يلاحظ الإنحياز للرجل المتمثل بشخصيتي "خالد" و "زياد" في مقابل شخصية المرأة "الجلاد" صاحبة العشق السادي، والإدانة الضمنية لتقلب مشاعرها المتمثلة بشخصية "حياة"، مما يشكل تناقض حاد في المواقف بين رواياتها السابقة وبين كتابها الأخير "نسيان".
إن من إعتصر ذهنه لتأليف ذاكرة الجسد لا يمكن آن يعلن الكفاح المسلح على الرجل، وكأن القضية هي حرب أزلية بين الرجال والنساء بمنطق فيمينستي متطرف. لذلك لابد من إبداء الدهشة  ازاء هذا الانقلاب الحاد في المواقف والمشاعر بين الكتابين، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاول رواية والثاني أشبه ما يكون بالخواطر المطولة والتي هي بمثابة اعلان موقف وقناعات. ان ذلك يثير تساؤل مشروع، هل كانت ذاكرة الجسد محض رواية من خيال الكاتبة أم هي وشاية بذاكرة شخص ما؟
       
وكان رمضان بعد سنين، وكان كرنفال الدراما العربية أو بالأحرى مهرجان الإعلانات التلفزيونية والتي تتخللها الأعمال الدرامية، التي هي بدورها ليست بعيدة عن حسابات المعلنين إن لم تكن تُفَصَّل خصيصاً على مقاس سوق الإستهلاك ودينامية العرض والطلب.  وكما كان الحال قبل ثلاثة عشر عاماً وجدت أن مسلسل "ذاكرة الجسد" يقف واضحاً وسط الزحام، أو هكذا إعتقدت من متابعتي للحلقات العشرة الأولى.  إلا أن ما إتضح لاحقاً أن المسلسل وإن كان من إخراج نجدة أنزور وأداء عدد من النجوم المميزين، إلا إنه للأسف لم يبتعد عن حسابات موسم الدراما وشروط المنتجين والمعلنين.  
بإعتقادي أن سبعة حلقات من بين العشرة الأوائل كانت كافية لنقل ذلك العمل من صفحات الكتاب إلى شاشات التلفزيون بإخلاص للرواية  وبأداءٍ مميز لجميع الممثلين، أما ما تلا ذلك من لَتٍ وعَجْن فإنه لم يتجاوز هدف ملء ساعات العرض لجلب الإعلانات التلفزيونية على إمتداد الشهر، مما أثَّرَ سلباً على مجمل العمل الفني والأدبي والدرامي في آن، وإن كان قد حقق ظهوراً نوعياً وكاسحاً لمُصَّنِع ومُسَّوِق الفُوَط الصحية النسائية ذات الأجنحة.

لا أدري ذاكرة من كانت، أو ذاكرة من كانت قد إِنْتُهِكَت، لكن النتيجة كانت ذاكرة إبداعية أغنت المكتبة الأدبية ولكنها قطعاً لم تغني المكتبة التلفزيونية.

كميل حلمي 18/09/2010


الديمقراطية مقابل الإستقلال ما زالت مقبولة أمريكياً



لايمكن أن يكون للإستقلال معنى بدون ديمقراطية، ولكن هل تصح الديمقراطية بدون إستقلال؟  لا أعتقد هنا بأن أي من الشعوب العربية قد حققت إستقلالها السياسي والإقتصادي للدرجة المطلوبة لتحقيق سيادتها على قرارها الوطني، ومن ثم لتوفر شروط الديمقراطية الحقيقية.  و في هذا السياق بإعتقادي أنه من السذاجة بمكان تحقيق الإستقلال القطري و تحقيق ديمقراطية حقيقية في ظل وجود أراض محتلة وفي ظل وجود شعوب مهجرة، ناهيك عن وجود قوات أجنبية على الأراضي الوطنية، وحالة إرتهان إقتصادي تام لمركز رأس المال الممثل بالشركات العالمية وصندوق النقد الدولي.  
يمكن طبعاً تحقيق إستقلال مرحلي كخطوة أولى على طريق تحقيق الإستقلال التام، ولكن لا يمكن تحقيق الديمقراطية الحقيقية قبل إكتمال الإستقلال.  إن عدم إكتمال الإستقلال يعني بقاء الضغوط الخارجية على مجريات الأحداث الداخلية وتأثيرها الفاعل على سقف الحريات الديمقراطية وما يمكن أن تقود إليه.
أنا مع إنتفاضة الشعوب من أجل الحرية والديمقراطية، ولكنني في نفس الوقت لا أستطيع تجاهل التناقض الشديد في تحقيق الحرية والديمقراطية المستدامة دون تحقيق الإستقلال الوطني.
 للشعوب حقها في أن تنتفض وأن تطالب بالديمقراطية، ولكن عليها أيضاً أن تتحمل مسؤوليتها الأولى بتحقيق الإستقلال،  فالأولى أن تكون إنتفاضتها للإستقلال قبل الإنتفاض للديمقراطية حسب معايير المركز الرأسمالي، أو المركز الإستعماري الحديث.  لقد خاضت بعض شعوب المنطقة في السابق حروب وإنتفاضات وثورات وإنقلابات من أجل الإستقلال، وإعتقدت خاطئة بأنها قد حققت ذلك الإستقلال، ولكنها في الحقيقة تقاعست فور إنتهاء المعركة وقبل تحقيق الإستقلال، وإنكفأت على أنانيات فردية و إقليمية مبررة دائما بالموروث القبلي أو الديني أو الإجتماعي، أو جميعهم.  إن ذلك التقاعس في تحمل مسؤولية تحقيق الإستقلال كقاعدة أساسية لتحقيق الديمقراطية قد أتاح الفرصة أمام قادة تلك الشعوب، أو حاشيتها، إلى اللجوء للحل الأسرع لترسيخ حكمها بعيداً عن الديمقراطية وذلك بالإتجاه نحو الإستبداد والدفاع عن الذات المستبدة في متوالية لا نهائية أدت في النهاية إلى ترسيخ دكتاتوريات "وطنية" تغولت في بطش شعوبها من أجل "الحفاظ على الدولة والمكتسبات"، ولتحقيق ذلك ومباركته إستعانت تلك الأنظمة بمن إنقلبت عليهم سابقاً لترسيخ حكمها مقابل ثمن باهظ وهو التقاعس عن القضايا المركزية، وتحديداً قضية فلسطين، أو في أحسن الأحوال مقابل التنازل عن إستقلال القرار الوطني، الإقتصادي و السياسي.  بمعنى آخر لم تحقق تلك الشعوب إستقلالها ولكنها فقط غيرت نظامها السياسي، وهذا ما أخشى تكراره فيما نشهده الآن، حتى وإن كان مع وجه "مودرن" للديمقراطية.
لذلك بإعتقادي إذا أرادت شعوب المنطقة ديمقراطية حقيقية، فعليها أولاً أن تخوض حرب إستقلال حقيقية (ليس بالضرورة بالمعنى الحرفي للكلمة)، وأن تدافع بعد الإستقلال عن الديمقراطية وشفافية الدولة، وأن تنحي جانباً جميع الإنتماءات المادون وطنية لصالح الإنتماء للدولة في بعديها القطري والقومي.  والجانب القومي في حالتنا الخاصة، دوناً عن شعوب العالم، قد لايقل مركزية عن الجانب القطري، وهو بالضرورة قضية فلسطين كقضية أساس لكافة شعوب المنطقه ودولها القطرية، خصوصاً أن بعض تلك الدول تأثرت ومازالت تتأثر بشكل مباشر من جراء إقتطاع الأراضي الفلسطينية من سياقها الجغرافي والديمغرافي.  فكما أن الرأسمالية لا تستطيع معالجة أزماتها، ولكنها في المقابل بارعة في تصديرها من مكان جغرافي إلى آخر، فكذلك الحال في الإستقلال الشكلي أو الديمقراطية الشكلية للدولة القُطرية حسب الوصفة الأمريكية.  فهي قد تطرح ديمقراطية ما وحرية ما،  ولكنها في ظل عدم الإستقلال الحقيقي تكون تلك الديمقراطية هي مقايضة بإنعدام ذات الديمقراطية والحرية في مكان آخر.... وهنا بالضرورة فلسطين.

كميل حلمي 21/04/2011


تأملات في ربيع الشعوب العربية

لم تكد الإنتفاضة التونسية أن تضع أوزارها حتى التقطت الجماهير المصرية شرارة الثورة وحققت في زمن قياسي أسطورة إنتصار ثنائية لم تعهدها المنطقة ولم تتوقعها أو تستوعب تسارعها مراكز إتخاذ القرار العربية والغربية.  وقد إستفاقت الأخيرة مندهشة على واقع فرضه شعب أعزل كان قد أطاح بلمح البصر بقطبين من أهم أقطاب التبعية للسياسة الغربية.  لكن على الرغم من وقع الصدمة فقد إستطاعت تلك المراكز أن تلتقت أنفاسها بسرعة لا تقل قياسياً عن حركة باقي شعوب المنطقة، وجيشت ما جيشت من دوائر التفكير والتخطيط والتنفيذ لإستيعاب الحدث المتوالي، بل لتوجيهه بما يخدم مصالحها ويفيد في نفس الوقت في تفريغ مضبوط لذلك الإحتقان الذي لم يزل حتى وقت قريب إحتمال بعيد الحدوث حسب فهم تلك المراكز للبنية الإجتماعية والسياسية لشعوب المنطقة و حسب فهمها الدقيق لبنية العقل العربي الجماعي.
وكما هو متوقع، كان من أهم الأولويات لتلك المراكز عدم السماح بتكرار ما حدث في مصر وتونس في غيرها من دول المنطقة بشكل يفقدها السيطرة على مجريات الأمور بعد أن اتضح جلياً أن رياح التغيير قادمة لامحالة.  فكان التدخل المباشر والغير المباشر في ليبيا واليمن، وحتى إستباق الحدث كما هو الحال في سوريا.
فالمتأمل لما حدث في مصر وتونس لابد أن لاحظ غياب الشعارات الفئوية والطائفية لصالح المطالبة بالحرية والديمقراطية وتعرية الإستبداد والفساد والظلم الإجتماعي، في حين بدت جلياً الشعارات الطائفية والفئوية في المشهد السوري بشكل كاد يطغى على المطالبة بالإصلاح والديمقراطية، وخصوصاً مع تجاهل الجماهير المنتفضة سلسلة الإصلاحات المتلاحقة التي سارع النظام بطرحها بشكل غير مسبوق.  وما ينطبق على المشهد السورى لا ينطبق بالضرورة على المشهد الليبي أو اليمني، فكل له خصوصياته، فكما كانت الإنتفاضتان التونسية والمصرية خاليتين من المواجهة المسلحة بين الشعب والسلطة، كان الأمر شديد الإختلاف في الوضع الليبي، ويكاد أن يكون إلى حد ما في الوضع السوري واليمني.  فمن يقرر شكل المواجهة وطبيعة الصراع وتداعياته هو تداخل الأهداف الشعبية المشروعة مع الأهداف الخارجية بما يخدم الأخيرة في النتيجة المطلقة.
ومن هذا المنطلق يمكن للمراقب أن يقرأ الأهداف المرجوة أجنبياً من واقع سَيْر هذه الإنتفاضات وتسارع أحداثها او بُطأها.  فلنأخذ بداية ما يحدث في ليبيا في ظل الأطماع الاجنبية بالإحتياطي النفطي الليبي.  فعلى هذا الصعيد نرى تلكؤ مقصود في حسم الصراع الدائر بين النظام وبين الثوار حتى التأكد من التدمير التام للدولة وقدرتها العسكرية ومؤسساتها وبنيتها التحتية (بغض النظر عن جدوى تلك المؤسسات) وفتح الباب على مصراعيه أمام عقود إعادة البناء و الإعمار على شاكلة النموذج العراقي وما تدره تلك العقود من بلايين الدولارات للغرب، طبعاً لقاء إرتهان ليبيا ونفطها للسيد الأجنبي ضمن عقود تجارية وعسكرية وتحالفات سياسية جديدة يلتزم بها بالضرورة النظام البديل.  هذا إلى جانب تهيئة المناخ لحالة إنقسام داخلي وصراعات قبلية وعرقية قد تمتد لسنوات وقد تؤدي في النهاية لخارطة إقليمية جديدة.  ولايجب أن ننسى هنا الصراع الخفي على إقتسام الغنيمة ما بين الولايات المتحدة من جهة والدول الأوروبية من جهة أخرى والمتمثلة بلعبة الشد والجذب فيما يتعلق بحجم وطريقة التدخل العسكري ودعم الثوار.
أما على الجانب اليمني فالمعادلة تختلف بحكم الموقع الجغرافي والعلاقة مع الجوار، إضافة لخصوصية التهديد الطائفي والمتمثل في التمرد الحوثي وما يعنيه ذلك من فرص إزدياد النفوذ الإيراني في منطقة شائكة وعلى مضيق حيوي كباب المندب. هذا إضافة إلى عدم إتضاح ملامح النظام البديل حتى الآن، وهل يمكن أن يأخذ نفس دور النظام الحالي في مواجهة الأصولية السلفية والنزعات الإنفصالية الشيعية في آن واحدكما برع في ذلك ذات النظام مما كان، لسخرية الأقدار، سبب من أسباب مأزقه الحالي مع الشعب. 
أما الحالة السورية، فسقوط النظام ليس مطلب شعبي فحسب، بل هو مطلب أمريكي إسرائيلي في المقام الأول. لذلك كان لابد من التسارع الحاد في تأجيج الأمور وتأزيمها لمرحلة اللاعودة، فتلك فرصة تاريخية طال إنتظارها وليس بالضرورة توافر نفس الظروف في المستقبل المنظور.  فسقوط النظام في سوريا يعني إنكشاف حزب الله، وفقدان إيران لأهم حليف في المنطقة، إلى جانب تهيئة الفرصة جدياً لإعادة تقسيم المنطقة حسب خارطة الشرق الأوسط الكبير وحسم آخر الملفات العالقة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
كلنا نريد أن نحتفل بصيف عربي جميل بعد ربيعه الزاخر، ولكننا في نفس الوقت لانريد ليبيا جديدة على الطريقة الصومالية أو السودانية في أحسن الأحوال، ولا نريد سوريا ديمقراطية على الطريقة العراقية، ولا يَمَنٍ سعيد على الطريقة الأفغانية.  نعم لإنتفاضة الشعوب من أجل الديمقراطية والحرية، ولكن لا لتقسيم البلاد وهدر الدماء في سبيل المجهول.
هنا يقع المثقف العربي في تناقض حاد مع نفسه، هل هذا ثمن مقبول للحرية والديمقراطية؟ وهل هذا هو الطريق الوحيد للديمقراطية؟ وماذا عن طموحات الجماهير وإنتفاضتها وتضحياتها التي طال إنتظارها؟  هل تُخذَل الجماهير من أجل مواقف سياسية قد تتباين من شخص إلى آخر؟ وفي نفس الوقف، هل تنتظر الجماهير أصلاً تلك النخب المثقفة لتوجيه حركتها وإختطاف إنجازاتها، أم إنها قادرة بحراكها الذاتي على صنع مستقبلها وتحمل تبعات قرارها بالثورة؟
هذه الأسئلة ترجعنا للإشارة إلى بنية العقل العربي الجماعي، ومدى دقة التشريح العلمي لأزمة هذا العقل من قبل مراكز التفكير وصنع القرار على الجانب الآخر.
فحالة الإنفصال كانت وما زالت دائمة بين النخب السياسية والفكرية العربية وبين المجتمع في عمومه وجماهيره.  حتى أن الحالة قد تجاوزت الإنفصال والتوجس إلى حد الخصام و العداء في كثير من الأحيان. وهذا ما رأيناه مراراً وتكراراً على شكل النَبْذ الإجتماعي للعديد من المفكرين، وحتى تجريمهم وحبسهم ومطاردتهم. وهذا لم يكن بفعل الأنظمة القمعية بقدر ما كان بفعل التخلف الإجتماعي والمجتمعي.    إن هذه الحالة هي نتيجة طبيعية لأزمة العقل العربي الجماعي، والتي مع الأسف عجزت النخب الفكرية العربية عن علاجها، مع قدرتها الفائقة على تشخيصها بشكل دقيق، في الوقت الذي نجحت فيه المراكز الأجنبية ليس فقط بتشخيصها، بل بزيادة الهوة والإستفادة منها وتوجيهها. وهذا ما رأيناه ومازلنا نراه على شكل إتجاهات دينية متطرفة مسلمة ومسيحية، وعلى شكل فِتَن طائفية وقبلية، وعلى شكل حركات ليبرالية متماهية مفرغة من الفكر وفاقدة للبوصلة، وكذلك على شكل سياسيين وأشباه مثقفين يُنَظِرُون للخلاص الديمقراطي حسب الوصفة الأمريكية سريعة التحضير.

إن وقع الصدمة والتروييع قد ضلل بعض المثقفين ودفعهم لركوب الموجة دفاعاً عن كل ما تقوم به الجماهير وبغض النظر عن النتائج الكارثية التي قد يسببها فقدان البوصلة وإنعدام القيادة الفكرية والسياسية لتلك الإنتفاضات.  وهذا في حد ذاته خيانة للجماهير وتقاعس عن تحمل المسؤولية الحقيقية في النضال الثقافي والإجتماعي. 
لقد عانت النخب الوطنية في العالم العربي ما عانته طوال عقود في حث الجماهير على الإنتفاض والتغيير ودفعت الكثير ثمناً لذلك، ولاقت مقابل ذلك الجحود والنكران.  والآن تعاد الكرة ولكن مع أمل حقيقي في التغيير إذا ما أحسنت هذه النخب التحليل والإدارة وإذا ما أحكمت صوت العقل والمنطق.  إن النخب السياسية والثقافية التي عجزت عن الإتيان بالتغيير طوال عقود من التنظير والنحيب، هي نفسها التي تفاجأت بإنتفاضة الجماهير من المحيط الى الخليج، ووجدت أنه من الأسهل والأوفر عليها أن تركب موجة التصفيق بحرارة على أن تتصدى بمسؤولية وتعقل لما يجري وأن تحاول أن توفر النصيحة الفكرية (ولا أقول القيادة الفكرية) لهذه الجماهير. 
فالجماهير المنتفضة عفوياً تفتقد القيادة السياسية والفكرية، وعليه وبعيداً عن نظرية المؤامرة،  نستطيع أن نلاحظ وبوضوح التوجيه بمختلف الأشكال والأساليب التي تتبعها وتنجح بها الى حد كبير مراكز التفكير و القرار السياسي الأجنبية.  وهنا تقع مسؤولية النخب الوطنية للتأثير الإيجابي من أجل تحقيق تغيير ديمقراطي وصنع الحرية والإستقلال حسب أجندات وطنية وليس من أجل إعادة إنتاج الفوضى والسير نحو المجهول.

إن هذه الجماهير المنتفضة بمختلف أطيافها المؤيدة والمعارضة، العفوية و الليبرالية، اليسارية  والدينية على إمتداد تردداتها المعتدلة والمتطرفة، إلى تلك الغارقة بالتطرف، جميعها كانت خلال عقود ولن تزال مستعدة لتقديم آيات الولاء والطاعة للقيادة حسب أنانيات ومصالح فردية و فؤوية؛ ذلك الى أن يتحرر العقل العربي جدياً من التخلف الإجتماعي والإضطهاد الذاتي.  وللأسف  لا أرى اننا بالمجمل العام قد إقتربنا ولو قليلاً من هذا الهدف. 
لذلك، فلتتبارك وتستمر حركة الجماهير بغض النظر عن أولوياتها وأهدافها المرجوة من الإنتفاضة، ولكن لتتاح الفرصة أيضاً أمام الطرف الآخر من أجل الرضوخ لمطالب الإصلاح و التغيير دون تدمير البلاد وإزهاق الأرواح.  ولا أعني هنا الحالة الليبية، فقد دخلت الأخيرة في مرحلة "الصوملة"، ولكن لم يفت الأوان بعد فيما يخص سوريا واليمن.   إن إعطاء الفرصة للتغيير لايعني وأد الإنتفاضة أو تجميدها، بقدر ما يعني جمع الغنيمة ورصد الإنجاز.  ومن إنتفض الآن يمكنه، بل يجب عليه، أن ينتفض لاحقاً إن لم يتحقق التغيير المرجو. وللحساب والعقاب يوماً لابد آتٍ في ظل نظام مؤسسي ديمقراطي، وليس في ظل الفوضى ومحاكم التفتيش.   إن ثمن الإستكانة طوال تلك العقود ليس بأقل كلفة من إنتظار بضعة شهور لإتاحة الفرصة للتغيير والإصلاح وتجنب التدمير وتدخل الأجندات الخارجية.
أما بعد تحقيق التغيير، نرجو أن يتساءل كل فرد منا عند إعطاء صوته لمرشح بلدي أو نقابي أو حزبي أو برلماني، هل أعطي صوتي لهذا المرشح أو ذاك بناءاً على الكفائة والمصلحة الوطنية، أم بناءاً على الإنتماء القبلي أو الطائفي أو الأيدولوجي.  
نعم وبكل صراحة وبدون مواربة، الجماهير بمن فيهم كاتب المقال، بالإضافة الى النخب السياسية والفكرية هي من تتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى عن عقود من النكوص والتخلف، وعليها مراجعة الذات والوقوف على أسباب الجهل من أجل الإنعتاق من التخلف والإنتقال إلى ديمقراطية حقيقية مؤسسة ومؤسسية، فكما تكونوا يولّى عليكم.

كميل حلمي 25/05/2011