تثيرني التعليقات العابرة عند الحديث عن إنتفاضة الشعوب العربية، وكأن ما نتابعه يومياً من ذبح ودماء هو مسلسل تشويقي متعدد الفصول على قناة إم بي سي آكشن، أو مباريات الدوري الإسباني لكرة القدم. وما يثيرني أكثر ذلك التضخيم لدور من درجت تسميتهم "شباب الفيسبوك" في تلك الانتفاضات، والمقولة بأنهم هم وحدهم أصحاب التغيير بطريقتهم الخاصة وليسوا بحاجة الى القيادات الوطنية الغابرة بفكرها الثوري و الايدولوجي المنقرض. وكأن كل ما تم إنتاجه من فكر سياسي وإقتصادي طوال قرون أصبح "أولد فاشن" و من المشين حتى التحدث به، وكأن من يقول به ينتمي إلي فصيلة التايروناصور.
أولاً، لايمكن القول بشكل دقيق بقيادة شباب الانترنت او الفيسبوك للثورة. كما أنه لايمكن القول بفتُوّة، أي صغر عمر، من شارك أو يشارك في الثورات وإستبعاد باقي الفئات العمرية، وكأن هذا الحراك هو حكر على من هم دون العشرين من العمر، أو على مستخدمين الانترنت والبلاك بيري فقط.
فمع الإتفاق على الدور المفصلي الذي يلعبه الإعلام الجديد من تبادل وتكثيف للأفكار وكذلك من تحريك للجماهير، لا يمكن إختزال مجمل الحدث وتداعياته الى هذا الحد من التسطيح. كما لايمكن توصيف من يدير صفحة على الفيسبوك بأنه قائد للثورة أو منَظِّر لها، أو قائد للجماهير، بقدر ما هو في الحقيقة ضابط إدارة فعّال للإتصال والإسناد الإعلامي، ولا شك في تأثيره على مجريات الأمور. فإذا نظرنا بجدية الى محتويات "الحائط" بلغة الفيسبوك لأي من "المواقع الرسمية" للإنتفاضات الحالية، وجدناها عبارة عن جمل متفرقة لاتكاد تشكل فقرة مفيدة بحد ذاتها، إضافة الى دعوات وتعليقات من هنا وهناك وصور وروابط. وعلى أهمية هذه المواد الإعلامية كمواد تعبوية، لايمكنها مجتمعة أن تشكل وعي ذهني متكامل أو برنامج سياسي واضح الملامح يمكن للجماهير إتباعه للإصلاح، ناهيك عن وصفه كنظرية ثورية.
لذلك لابد من وضع الأمور في نصابها وفي سياقها الطبيعي بعيداً عن التصفيق والذهول والتسابق بإبتداع التوصيفات، وكأن ما كان من فعل للمشاركين على صفحات الفيسبوك هو قدرات خارقة إختصت بها أنصاف آلهة هبطت حديثاً من السماء.
فهؤلاء الشباب والكهول هم نفسهم أبناء الجيل السابق والحالي بكل مكوناتهم الجينية والفكرية وبكل إرثهم ووزرهم الثقافي والاجتماعي. كل ما هنالك أنهم، و بحكم المتاح، استخدموا الأدوات المتوفرة تلقائياً في هذا العصر، ولو أتيحت هذه الأدوات لآبائهم أو لأجداد أجدادهم لكان نفس الفعل.
لذلك وبغض النظر عن الفئة العمرية، الشعب هو الشعب، والجماهير هي الجماهير، ولا بد من تَدخُل قيادات فكرية وسياسية ناضجة وواعية لوضع برنامج إصلاح وإستقلال وطني بأقل قدر من الدماء والأرواح. ولابد أيضاً للجماهير وثوار الفيسبوك من الإستماع لصوت العقل وإعطاء الفرصة للإصلاح حتى تؤتي ثورتهم ثمارها. ولا أعتقد هنا إن جوجل أو تويتر بصدد الإعلان قريباً عن الإصدار الجديد من "دليلك إلى الديمقراطية والإستقلال الوطني - نسخة الشرق الأوسط".
كميل حلمي 27/05/2011