السبت، 11 يونيو 2011

ربيع الأربعين


أكاد لا أستطيع إلتقاط أنفاسي في عجالة كتابة هذا المقال حتى لاتخونني ذاكرتي بعد مشاهدة العرض الخاص لهذا الفيلم، والذي تم بظروف إستثنائية جداً الليلة الفائته.  فلا أعتقد أن بإمكاني مشاهدته مرة أخرى قبل الإفراج عنه رسمياً، خصوصاً بعد القرار بمنع عرضه أو الترويج له في الإعلام حتى صدور قرار المحكمة الإتحادية الأمريكية.  وهذه دعوة للجميع للمشاركة بشتى الوسائل الممكنة للضغط في سبيل إسقاط الدعوى المقامة والإفراج عن الفيلم.

"ربيع الأربعين" هو فيلم جديد من النوع الدرامي التسجيلي للمخرج العالمي جيمس كاميرون مخرج فيلم آفاتار الشهير "Avatar" وصاحب أعلى مبيعات في تاريخ هوليود، والذي في نفس الوقت كان قد حرم من جميع جوائز الأوسكار لصالح فيلم ذي هيرت لوكر "The Hurt Locker"،  الفيلم الأول لزوجة كاميرون السابقة والذي مع سخافته المطلقة حصد جميع جوائز الأوسكار ذلك العام.  بالطبع كان ذلك بمثابة عقاب واضح وفي الصميم لكاميرون لتجرأه على تعرية و مهاجمة العدوانية الإستعمارية و همجية الإحتلال في كافة أشكالها من خلال فيلم آفاتار.  الجميع كان قد راهن بعد ذلك على أن كاميرون سيتعلم من الدرس ويخر طلباً للسماح، ولكن كان رد كاميرون الآخير مدوياً من خلال فيلم "ربيع الأربعين" والذي بمجرد عرض لقطاته الدعائية الأولى قامت الدنيا ولم تقعد وتم فوراً تحريك قضية إتحادية لمنع عرضه الذي كان من المقرر بدأه في تاريخ الخامس من حزيران الجاري.  كما تمت إزالة كافة المواد الإعلانية والدعائية عن الفيلم بما فيها موقع الفيلم على شبكة الإنترنت ومقدمته الدعائية على اليوتيوب، وكذلك صفحته على الفيسبوك.

المفاجئآت عن الفيلم لم تنتهي بعد.  الفيلم وإن كان يميل إلى النوع التسجيلي الوثائقي أكثر منه إلى الدرامي السينمائي، فهو من بطولة نخبة كبيرة من نجوم هوليود بالإضافة إلى عدد من النجوم العرب.  شارك في الفيلم كل من جورج كلوني، ليوناردو دي كابريو، مات ديمون، بسام كوسا، تيم حسن، خالد أبو النجا، وعدد من الممثلين الأتراك لا أعرف أسمائهم، مع ظهور بسيط أيضاً لروبرت دي نيرو كمقدم للفيلم مع تعليق صوتي له على بعض المشاهد التسجيلية.

طبعاً وكما يوحي أسم الفيلم وتاريخ عرضه المفترض، يمكنكم الإستنتاج بأن الفيلم يدور حول إنتفاضة الشعوب العربية مع ربط ذلك بأربعين سنة (أو يزيد) من تاريخ النكسة والإحتلال.
وقد جاء قرار كاميرون بالتصعيد ومعه كل هؤلاء النجوم بمثابة هدية تضامن مشكورة للشعوب العربية في ربيعها الزاهر، وفي ذكرى نكستها.  فهو في هذا العمل لاينتقم لنفسه بقدر ما يلتزم إنسانياً تجاه قضايا شعوب المنطقة، وذلك بتعرية إزدواجية المعايير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وإسرائيل، وكذلك أساليبها الخداعية الخبيثة والمتخمة بالإجرام و التلاعب بمصالح ومصائر الشعوب بما يخدم مصالحها الذاتية وحسب.  يلجأ كاميرون في ذلك بإتباع أسلوب جديد، وهو أسلوب التأليف الجماعي الإرتجالي، كولابوراتيف أوثيرينج (Collaborative Authoring)، بإشتراك عدد من كتاب الدراما والقصة وحتى بعض الممثلين أنفسم، وخصوصاً "مات ديمون" كما ذُكر في مقدمة الفيلم.

أسلوب كاميرون الدرامي الوثائقي إعتمد على تداخل مشاهد تمثيلية قام بها نجوم الفيلم، مع عرض أجزاء من أفلام سينمائية أخرى مشهورة سنأتي على ذكرها لاحقاً.  كما إعتمد أيضاً على عرض لقطات تسجيلية وإخبارية حقيقية مثل بعض المظاهرات في سوريا واليمن، وصور لبعض المعارك في ليبيا، وكذلك مشاهد من المسيرات والإحتجاجات في الأردن، حيث أعتقد انني إستطعت أكثر من مرة تمييز ملامح النقابي المعروف خالد رمضان في بعض تلك المشاهد.  لا أدري إن كان ذلك بإتفاق مسبق أم بمحض الصدفة.
كان ذلك طبعاً أحد الأسباب الرئيسية المزعومة لتحريك الدعوى القضائية ومنع الفيلم من العرض بحجة إنتهاك حقوق الملكية الفكرية لمنتجين تلك الأفلام السينمائية و حقوق بث المشاهد الإخبارية للمحطات الفضائية.

تدور قصة الفيلم حول ثلاثة شخصيات رئيسية.  الشخصية الأولى، جورج كلوني، رئيس أحد اكبر شركات الاعلام والانتاج السينمائي، والذي يَنظر إلى العالم من خلال شاشة البلاك بيري الصغيرة، معتقداً أنه في تواصل مباشر ودقيق مع الاحداث أولاً بأول، وبتواصل دائم مع مراسليه ومنتجيه ومع مراكز مؤسسته في نيويورك و هوليود.  لتبدأ بعد ذلك رحلته بإكتشاف الشرق الاوسط بمنظور أوسع نسبياً بمجرد هبوطه في اليمن حيث يُصدم بأن الناس هناك ترى الامور بشكل مختلف، وربما أوضح، ولعل ذلك بسبب عدم إستخدامهم لتلك الوسائل المقننه لرؤية العالم بمنظور فرضته آلة الاعلام والاتصال العالمية (مثل مؤسسته)، والتي ترتبط بشكل عضوي بمراكز السياسة الامريكية وشركات الطاقة والأدوية و السلاح من خلال التمويل المباشر أو غير المباشر عن طريق عوائد الدعاية والإعلان.  فالهدف الأساسي لمهمته في الشرق الأوسط هو صناعة وهندسة الأخبار والقصص واللقطات الإخبارية بما يخدم إملاءات أحد دوائر وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية ممثلة بالشخصية الرئيسية الثانية، بسام كوسا، عميل الإستخبارات الأمريكي من أصل سوري والملحق التجاري في السفارة الأمريكية في الأردن.  بسام كوسا، بأداءه الواثق لم ينطق كلمة إنجليزية واحدة طوال الفيلم وإكتفى بالعربية وباللهجة السورية، ومع هذا كان أداءه رائعاً ومبشراً بعالميته.
ليوناردو دي كابريو يلعب دور مدير تطوير الأعمال لأحد التجمعات التجارية العملاقة والتي تتألف من مجموعة من شركات السلاح والأدوية والنفط والإنشاءات، والذي بدوره ينقل رغبات ذلك الإئتلاف التجاري إلى "مات ديمون"، الشخصية الرئيسية الثالثة والذي يقوم بدور أحد الشخصيات الدبلوماسية في الخارجية الأمريكية، وذات العلاقة الوطيدة بشخصيات سياسية وإقتصادية إسرائيلية وشرق أوسطية.
       
على إمتداد ثلاثة ساعات وتسعة دقائق تتابع أحداث الفيلم على طريقة "الفلاش باك" خلال تجوال جورج كلوني في بلدان الربيع العربي لصنع الأخبار، وخلال ذلك يستحضر بذاكرته عدد من الأفلام السينمائية المعروفة والتي كانت شركتة قد قامت بإنتاج عدد منها، مثل فيلم "واج ذي دوج" (Wag the Dog) لدَستين هوڤمان وروبرت دي نيرو.  ذلك الفيلم الشهير الذي يدور حول إصطناع مشاهد حرب أهلية وتطهير عرقي في أحد البلدان من أجل تهيئة الرأي العام الأمريكي لشن حرب تدميرية والتدخل العسكري في تلك المنطقة.  وكذلك فيلم "سيريانا" (Syriana) لجورج كلوني أيضاً، والذي يُظهر كيفية إلتقاء مصالح الإئتلافات التجارية العالمية مع صناع السياسة الأمريكية وعلاقاتهم الغرائبية بمنظمات ثورية وكذلك قيامهم بتنظيم إغتيالات سياسية وردع فرص التغيير في دول ذات أهمية إستراتيجية، وذلك حتى من خلال تلفيق تفجيرات إنتحارية و قلب أنظمة الحكم في تلك الدول.

ثم ينتقل جورج كلوني إلى الأردن بعد إستدعاءه من قبل بسام كوسا، حيث تبدأ صحوة الضمير بعد تعرفه على "أبو زيد الهلالي" (تيم حسن) المراسل الصحفي، وذلك في إشارة طريفة على ما يبدو إلى ياسر أبو هلالة، مراسل قناة الجزيرة.  وهناك وفي خضم المسيرات الإحتجاجية و إلتقاءه مع أطياف مختلفة من الشعب الأردني، يبدأ بربط معاناتهم و أوضاعهم المعيشية والسياسية وحتى مصائر بلدانهم بقرارات يتم إتخاذها ريل تايم "Realtime" من خلال البلاك بيري بتأثير أشخاص وضيعين من أمثاله، بحكم مواقعهم وتأثيرهم على الرأي العام العالمي.  وخلال لقاءه مع بسام كوسا في مقر السفارة الأمريكية، يستحضر أنذاك فيلم بودي أوف لايز (Body of Lies) الذي تم تصويره في الأردن والذي يظهر قدرة المخابرات العالمية على إختراق المنظمات الإرهابية وتوجيهها لأغراض نبيلة في معظم الأحيان وأغراض غامضة في أحيان أخرى.
وإلى ذلك تتتابع الأحداث حيث يلتقي في مصر مع وائل غنيم (خالد أبو النجا) في برنامج تلفزيوني عالمي للقيادات الشابة، ومن ثم ينتقل للمرة الأخيرة إلى اليمن بصحبة "مات ديمون" للإلتقاء بعلي عبد الله صالح (جمال سليمان) وذلك في وقفة قصيرة أثناء طريقهم إلى الدوحة. 
أما في الدوحة، وبعد صحوة الضمير، وأثناء نقاش خلافي حامي الوطيس يقوم ديمون بإخبار كلوني بأن صديقه الجديد أبو زيد الهلالي قد تم تنويمه مغناطيساً منذ زمن على شاكلة أفلام ذي بورن أيدنتتي (The Bourn Identity) و ذي مانشوريان كانديديت (The Manchurian Candidate).  يقرر كلوني أنذاك العودة بسرعة إلى الأردن لإنقاذ أبو زيد، وتكون صدمته الكبرى عند إختلاسه السمع لحوار بين إثنين من المخبرين السريين (الممثلين الأتراك) أثناء وجودهم في نفس الحافلة، حول برنامج سري للتنويم المغناطيسي الجماعي، لارج سكيل نيرولوجيكال هيبنوسيس (Large Scale Neurological Hypnosis) والذي تم إجراء التجارب عليه بنجاح على إمتداد عدة سنوات في كل من باكستان وأفريقيا، ويتم حالياً تطبيقه بشكل عملي في منطقة الشرق الأوسط.
ينتهي الفيلم بعدها بمشهد مؤثر حين يترجل كلوني من باص المؤسسة ويقوم بتحطيم جهاز البلاك بيري وإستبداله فوراً بجهاز آي باد (iPad 3G) بشاشه لمس 9 إنش، وذلك لرؤية العالم بشكل أوضح..... إنتهى الفيلم.

تمت الاشارة في بداية المقال الى أسلوب الكولابوراتيف أوثورينج المتبع في تأليف الفيلم، وذلك لضرورات فنية بحتة.  وهنا للأمانة الفنية تجدر الإشارة إلى إقتصار المشاركة على عدد من عفاريت الكتابة اللذين تم إستحضارهم خصيصاً لهذه الغاية بواسطة طقوس وشعوذات سرية لتأليف هذه القصة المختلقة جملة وتفصيلاً، وإن أي تشابه بالأسماء أو الأحداث مع أسماء أو أحداث حقيقية هو غير مقصود. 
وأخيراً، وعلى سبيل الأمانة الفنية أيضاً، تجب الإشارة إلي أن جميع ما ورد في هذا المقال هو محض إفتراء وهذيان من خيال كاتب المقال، المثقل بالهواجس والأفكار المشوشة بفعل متابعة قناة الجزيرة و المشاهده المتكررة للأفلام، وبالأخص ثلاثية ذي ميتريكس (The Matrix).  فلا جيمس كاميرون ولا جورج كلوني ولا كوسا ولا هيلمان.  كل ماهنالك هذه دعوة للتأمل والتفكير، وربما لمشاهدة الأفلام المذكورة آنفاً، بإستثناء الفيلم التافه (ذي هيرت لوكر).  

كميل حلمي 11-06-2011