أولاً، وقبل البدء في قراءة هذا المقال أرجو التفضل بقراءة المقال السابق "ربيع الأربعين". وبعد قراءة ذلك المقال أرجو إعادة قراءته، أو الإمعان في قراءة ما كتب بين السطور.
ثانياً، أرجو المعذرة من الأصدقاء اللذين وقَعوا في اللُبْس بعد القراءة السريعة للمقال المذكور، وممن قد طلبوا مني الأسم الانجليزي للفيلم ولم أجب على طلبهم، وكذلك الذين إقترحوا إنشاء صفحة على الفيسبوك من أجل الإفراج عن "الفيلم".
ثالثاً، لمن وقع في لُبس القراءة الأولى وكان قد تسرع في قراءتي في مرات سابقة، أرجو التروي في المرات اللاحقة، وعدم التسرع في إصدار الأحكام والإستنتاجات، حيث من الواضح سهولة الوقوع في اللبس في ظل ما نعيش به من خلط وفوضى تستدعي منا التأمل والتفكر في كل ما يجري بشيء من الهدوء والتدقيق.
فكما أوضحت في نهاية المقال المذكور، لا وجود لفيلم بذلك الأسم ولاحتى مجرد تفكير بإنتاجه. إنما سعيت من خلال ذلك المقال لتوضيح حقيقة تغيب عن أذهاننا، تماماً كما تغيب عن أعيننا تفاصيل لانريد رؤيتها في خضم حماسنا ورغبتنا برؤية ما نريد رؤيته وتجاهل كل ما لانريد، أو تجاهل كل ما قد يسبب لنا بعض الألم والإحراج.
تلك الحقيقة هي أننا متحمسون في طبعنا وإنفعاليون لدرجة التخبط، تماماً كالغريق التواق للتشبث حتى بقشة. وهنا لا أستثني نفسي من ذلك التوصيف، وأعتقد آسفاً أننا في المجمل العام نطفو على شِبرٍ من الماء، وأحياناً أكثر نغرق في نفس الشِبرْ. وهذا راجع إلي ما ذكرته سابقاً (تأملات في ربيع الشعوب العربية) من خلل في العقل العربي، ذلك الخلل الذي إستطاع غيرنا تشخيصه والإستفادة منه لدرجة تقترب من السيطرة على أنفعالاتنا وتوجيهها أو توجيهنا جماعياً بما يخدم مصالحهم وليس مصالحنا. تماماً كالخاضع للتنويم المغناطيسي ينفذ ما يؤمر به دون وعي أو إدراك بمجرد إصدار الإشارة أو "الكود" المبرمج في لاوعينا، ومن ثم العودة ثانية إلى مراقدنا.
يدفعني هذا للإشارة مجدداً إلى طريقة إدارتنا لثوراتنا وثرواتنا من دماءٍ وأرواح في لحظة تاريخية طال إنتظارها. في الوقت الذي نمتلك فيه منطق وفكر وأدوات القرن الواحد والعشرين لا نزال نماهي ثورات القرن الثامن عشر بألياتها وأساليبها ودماءها ومآسيها. بل نحن الآن أقل وضوحاً من القرن الثامن عشر. في حين كانت الثورة الفرنسية تمشي على خطى فلاسفة ومفكرين ولدوا من رحم معاناة الشعب الفرنسي وحملوا أفكار ومبادئ خلاصه مثل فولتير وجان جاك روسو وغيرهم ممن وضعوا مبادئ الحرية والمساواة وفصل السلطات وإستقلالية الدولة عن الكنيسة، لانرى في ثوراتنا من قدم فكراً واضحاً أو حتى برامج إصلاحية متكاملة تنهض في المجتمع نحو حياة أفضل أو تنهض بالدولة نحو إستقلال حقيقي. كم إسماً نعرف من هؤلاء القادة الإفتراضيين؟ هل قرؤوا هشام شرابي؟ هل سمعوا بمؤلفات محمد عابد الجابري؟ هل درسوا سيكولوجية مجتمعاتهم كما قدمها مصطفى حجازى، هل عرفوا عبد الوهاب المسيري؟ هل إختلفوا مع جورج طرابيشي؟
ألم نسألهم ماذا بعد الإطاحة بلويس السادس عشر؟ هل يأتي روبسبير السفاح، أم يأتي بونابارت الإمبراطور؟ هل يأتي عبد الحليم خدام أم يأتي وائل غنيم؟ هل يأتي قادتنا الجدد من القرن الثاني عشر أم من زمن الأئمة المجتهدين؟
هل نعي ما نفعل، أم إنها إطاحة بالنظام والسلام؟ هل يمكننا السباحة إلى بر الأمان، أم نستمر بالتخبط والتوهان؟ هل أجدنا السباحة أولاً، أم نتعلمها بعد مقتل الربان؟
تلك أسئلة برسم الإجابة من قِبَل قادتنا المحتملين ومن قِبَل من يطلق النار على من يتجرأ على السؤال.
كميل حلمي 18-06-2011