الجمعة، 24 يونيو 2011

إستحضار الهمجية الأُولى


الحاكا (Haka) هي رقصة حرب قديمة كانت بعض القبائل النيوزلندية تمارسها عند الإلتقاء بالأعداء قبل المعركة.  كان المحاربون يقومون بتلك الرقصة بشكل جماعي لبث الرعب في خصومهم وتحذيرهم من بطشهم وجبروتهم من خلال حركات وإيماءات همجية تنذر بالقتل والسحل، وتهدد بإنتهاك الفحولة والأنوثة على حد سواء.  يعلو الصراخ والسباب والأصوات المرعبة، وتجحظ العيون و يبدأ الطرق بالأيدي والأرجل تهديداً ووعيداً مع إشارات فاحشة تنبئ بما قد يحدث للطرف الآخر.  ومع مرور الزمن تعددت أشكال وتوظيفات تلك الرقصة حتى تحولت إلى جزء من التراث الشعبي النيوزلندي وأصبحت بدعة عند فريق الرجبي يؤديها اللاعبون أمام الفريق الخصم قبل بدء المباراة.
لا أدري ما سر إختيار مدراء الشركة التي أعمل بها لتلك الرقصة بالذات كمِسْكِ الخِتام للإجتماع السنوي العام.  فالشركة التي أعمل بها هي واحدة من الشركات العالمية التي لاتغيب عنها الشمس، حتى أن لها تقويماً سنوياً خاصاً وفصولاً مالية خاصة تختلف عن الفصول التي نعرفها.  كذلك لها نظام إدارتها الخاص ورؤساء معينون، وميزانيتها الخاصة وإستراتيجياتها وسياساتها الخاصة أيضاً.  ولست أبوح بسرٍ  إذا قلت أن دخلها السنوي العام يفوق الناتج المحلي الإجمالي للأردن أو لعدد من الدول النامية مجتمعة، ناهيك عن معدل النمو السنوي الذي يبلغ أضعاف معدلات النمو السنوي في عدة دول أخرى.  وطبعاً كأي شركة عالمية ناجحة كان الخطاب السائد في الإجتماع هو إستغلال الفرص وعدم إضاعة أية فرصة ممكنة لصالح المنافسين، وفي حالة عدم وجود فرص كافية لتحقيق الأرقام يجب خلق فرص جديدة من العدم وإستغلالها.
هذا طبعاً على مستوى مؤسسة من الرقي المهني والأخلاقي كالشركة التي أعمل بها، فما بالكم إذا تحدثنا عن شركاتٍ أخرى كشركات السلاح العالمية، أو شركات الدفاع كما يفضلون تسميتها، والتي منها ما يفوق حجماً ودخلاً ووزناً وتأثيراً عدة مؤسساتٍ مسالمة كالشركة التي أعمل بها.  فهل يا تُرى يرقص مدرائها التنفيذيون "الحاكا" أمام موظفيهم، و هل يدعوهم أيضاً لخلق فرص جديدة في حالة عدم كفاية المتوفر منها لنمو أعمالهم؟  ما شكل الفرص المطلوب خلقها، وما هي أساليبهم الخلاّقة في خلقها؟  
أتمنى أن لا أضطر يوماً للعمل مع شركة من هؤولاء.      
فيما بدا كأنه حنين أو إستحضار لهمجية بائدة، إنتهت رقصة الحاكا التي شارك بها بعض المدراء المحترمين وعدد من الموظفين المتحمسين بمصاحبة الفرقة الإستعراضية النيوزلندية، وذلك في مواجهة جموع من الموظفين المذهولين.  ضحكنا وصفّقنا، وضحكت وصفقت، ولكن لا أدري لماذا شعرت بالقرف والغثيان فور إنتهاء الضحك والتصفيق.   
بقي أن أقول أنني كرئيس غير منتخب، ولكن شرعي بلا أدنى شك، حتى وإن كان ذلك بمحض الصدفة البيولوجية، أجد نفسي مضطراً للإنصياع لإملاءات الحكومة والهيئات التنفيذية العليا المتمثلمة جميعاً بِشخصية "المدام".  وتنفيذاً لرؤيتها لمصالح البيت والأسرة وتوفير الحياة الرغيدة للمواطنين وتعليمهم في مدارس لاتقل في حدها الأدنى عن الشويفات، وتوفير إحتياطي نقدي كافٍ من العملات الأجنبية لضمان المستقبل، أجد نفسي مضطراً لإستمرار الإرتباط والعمالة لصالح مراكز رأسمالية إحتكارية عالمية همجية عابرة للقارات كتلك التي أعمل بها.  مع الإبقاء في السياق ذاته على علاقات دبلوماسية سمجة مع ممثلي هيئات شبيهة ورؤساء أقل أهمية حسب ما تقتضي البراغماتية العملية، وشروط الحياة الإجتماعية.
لذلك وللأسف، باءت بالفشل جميع محاولاتي "الغير جادة" للإنعتاق وفك الإرتباط مع تلك المراكز تحسباً وخوفاً من إنتفاضات داخلية أو مطالبات جماهيرية بإسقاط النظام.  
و إلى حين إعادة تعريف علاقات الإنتاج والملكية الأسرية، لنا حديث.

كميل حلمي 24/06/2011