كنت قد أشرت سابقاً إلى حنين دائم لغرائز بدائية تسكننا وتتجلى في سلوكنا اليومي بشكل مبطن، أو بشكل مُقَنَّعْ. لا مجال هنا لتعداد جميع تلك الغرائز، فهي كثيرة. لكن لعل أكثر تلك الغرائز تجليا ًهي رغبتنا الدائمة بتحقيق إنتصارات وهمية أو حقيقية على الخصم، أي خصم. حتى وإن لم يكن هناك خصم، نقوم بإختلاق ذلك الخصم وإعطائه صفات وأشكال متخيلة من رصيد غرائزنا البدائية، ومن ثم نقوم بإسقاط ذلك الخصم الإفتراضي بملامحه وسلوكياته الإفتراضية على شخص نعرفه أو مجموعة من الأشخاص، ليكتمل عندها خلق الخصوم من العدم وتحويلهم إلى شخوص حقيقية لها صفات وأسماء تعيش في واقعنا المحسوس. ومن هنا وقد تهيأت شروط المواجهة بحضور الخصوم وجميع مبررات القتال، تبدأ معاركنا الدونكشوتية. ولا تنتهي بوقوع الخصم أو إيذائه، بل تبدأ بعدئذ مرحلة أخرى ألذُ وأشهى، وهي مرحلة الإيغال في الإنتقام من الخصم بسبب تجرئه، أو بالأحرى بسبب تجرئنا، على تخيل عدوانيته الهمجية وتهديده لنا ولمصالحنا وأنانيتنا المطلقة. وعند إنتهاء المعركة، تبدأ معركة أخرى، وتلك معركة الخصم للإنتقام منا.
عن هذه وعن تلك، يحضرني نموذج لأحد المقربين المتمرسين في "البزنس". كيفين لوماكس، له من فنون القتال ما لا أمتلك عُشْره، وله أيضاً من أساليب المراوغة والخداع (عُذراً صديقي) ما لم أجده حتى في الكتاب الأسود. نختلف سياسياً إلى أبعد الحدود، ونختلف أكثر في أساليب العمل المهني. أنا أطبق ما أعتقد أنه قواعد مهنية، بينما هو يطبق قواعده الأفعوانية للنيل من الخصم، العميل أو الزبون في هذه الحالة، ولاينتهي الأمر عند العميل، بل يمتد غالباً لزملاء العمل وذلك لإفتراس الطريدة بشكل منفرد.
لم يحتدم الخلاف بيننا ولم نصطدم يوماً، حتى في نقاش أدق المواضيع السياسية حساسيةً، بل على العكس كانت دائماً تربطنا علاقة فريدة من المودة، ربما بسبب دماثةٍ نتبادلها أو ربما لتكامل النقيضين. كذلك لم نخض معارك دونكشوتية مشتركة، ولكن كل منا راقبَ معارك الآخر عن بعد. في خضم معركته الأخيرة والحاسمة، فاجأني بإعتراف فج حول نظرته لذاته. إنه يدرك إزدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بذاته الشخصية. هو يدرك أنانيته المفرطة في قراراته، حتى وإن تجاهل في ذلك رغبات أقرب الناس إليه، ومع ذلك لاينكر شهوة الإستمرار والنصر والإخضاع، وفي نفس الوقت يعيش ذلك الصراع الداخلي المرير حول مبدئية القرار. نعم، مبدئية القرار.
هو تراوده غواية الإرتقاء مع العِلم بالثمن الباهظ والنتائج، وكذلك تراوده غواية الإنسحاب مع العِلم بالثمن الباهظ والنتائج. لم أتفاجئ من مدى تطابق ذلك مع صراعات لا نهائية أعيشها، أو على ما يبدو نعيشها جميعاً، كلٌ حسب مرجعياته المبدئية. واقع الأمر أن كل منا يحمل غوايته في ذهنه، كلٍ منا يخلق شيطانه، كل منا يقدس أنانيته وذاته المطلقة.
إعتقدت طويلاً أننا مختلفان، كم كنت مخطئاً، كم نحن متشابهان.... بل كم نحن متشابهون.
أكنت أتحدث عن صديقي كيفين لوماكس أم عن جون ميلتون، أم ربما عن نفسي؟ أو علني قصدتُكَ أنتَ أو قصدتُكِ أنتِ، أم كنت أتحدث عنّا جميعاً؟ هل كل معاركنا معارك حقيقية أم دونكيشوتية؟ هل نسعى لإفتعال المعارك أم تفرض علينا؟ هل يمكننا البحث عن نقاط الإلتقاء بقليل من التواضع أم نستمر في ترسيخ الخلاف من أجل النصر والإخضاع.
طبعاً اسم صديقي الحقيقي ليس كيفين لوماكس، ولكن الاسم مستوحى من فيلم "محامي الشيطان" (Devil's Advocate) لألباتشينو وكينو ريفز، فالحالة هنا مشابهة إلى حدٍ ما، مع إختلاف في التفاصيل. هل ينجح جون ميلتون في غوايته؟ هل يقبل كيفين الغواية أم يطلق الرصاص؟ هل هما شخص واحد؟ ربما نعرف غداً، أو ربما نستمر في الجهل.
جميعنا نخوض نفس المعارك. تختلف الأساليب، تتفق الدوافع، وتلتقي الغرائز. كلنا كيفين لوماكس وكلنا جون ميلتون. كلنا قديسون يا أصدقائي، كلنا شياطين.
كميل حلمي 02/07/2011