الأربعاء، 25 مايو 2011

تأملات في ربيع الشعوب العربية

لم تكد الإنتفاضة التونسية أن تضع أوزارها حتى التقطت الجماهير المصرية شرارة الثورة وحققت في زمن قياسي أسطورة إنتصار ثنائية لم تعهدها المنطقة ولم تتوقعها أو تستوعب تسارعها مراكز إتخاذ القرار العربية والغربية.  وقد إستفاقت الأخيرة مندهشة على واقع فرضه شعب أعزل كان قد أطاح بلمح البصر بقطبين من أهم أقطاب التبعية للسياسة الغربية.  لكن على الرغم من وقع الصدمة فقد إستطاعت تلك المراكز أن تلتقت أنفاسها بسرعة لا تقل قياسياً عن حركة باقي شعوب المنطقة، وجيشت ما جيشت من دوائر التفكير والتخطيط والتنفيذ لإستيعاب الحدث المتوالي، بل لتوجيهه بما يخدم مصالحها ويفيد في نفس الوقت في تفريغ مضبوط لذلك الإحتقان الذي لم يزل حتى وقت قريب إحتمال بعيد الحدوث حسب فهم تلك المراكز للبنية الإجتماعية والسياسية لشعوب المنطقة و حسب فهمها الدقيق لبنية العقل العربي الجماعي.
وكما هو متوقع، كان من أهم الأولويات لتلك المراكز عدم السماح بتكرار ما حدث في مصر وتونس في غيرها من دول المنطقة بشكل يفقدها السيطرة على مجريات الأمور بعد أن اتضح جلياً أن رياح التغيير قادمة لامحالة.  فكان التدخل المباشر والغير المباشر في ليبيا واليمن، وحتى إستباق الحدث كما هو الحال في سوريا.
فالمتأمل لما حدث في مصر وتونس لابد أن لاحظ غياب الشعارات الفئوية والطائفية لصالح المطالبة بالحرية والديمقراطية وتعرية الإستبداد والفساد والظلم الإجتماعي، في حين بدت جلياً الشعارات الطائفية والفئوية في المشهد السوري بشكل كاد يطغى على المطالبة بالإصلاح والديمقراطية، وخصوصاً مع تجاهل الجماهير المنتفضة سلسلة الإصلاحات المتلاحقة التي سارع النظام بطرحها بشكل غير مسبوق.  وما ينطبق على المشهد السورى لا ينطبق بالضرورة على المشهد الليبي أو اليمني، فكل له خصوصياته، فكما كانت الإنتفاضتان التونسية والمصرية خاليتين من المواجهة المسلحة بين الشعب والسلطة، كان الأمر شديد الإختلاف في الوضع الليبي، ويكاد أن يكون إلى حد ما في الوضع السوري واليمني.  فمن يقرر شكل المواجهة وطبيعة الصراع وتداعياته هو تداخل الأهداف الشعبية المشروعة مع الأهداف الخارجية بما يخدم الأخيرة في النتيجة المطلقة.
ومن هذا المنطلق يمكن للمراقب أن يقرأ الأهداف المرجوة أجنبياً من واقع سَيْر هذه الإنتفاضات وتسارع أحداثها او بُطأها.  فلنأخذ بداية ما يحدث في ليبيا في ظل الأطماع الاجنبية بالإحتياطي النفطي الليبي.  فعلى هذا الصعيد نرى تلكؤ مقصود في حسم الصراع الدائر بين النظام وبين الثوار حتى التأكد من التدمير التام للدولة وقدرتها العسكرية ومؤسساتها وبنيتها التحتية (بغض النظر عن جدوى تلك المؤسسات) وفتح الباب على مصراعيه أمام عقود إعادة البناء و الإعمار على شاكلة النموذج العراقي وما تدره تلك العقود من بلايين الدولارات للغرب، طبعاً لقاء إرتهان ليبيا ونفطها للسيد الأجنبي ضمن عقود تجارية وعسكرية وتحالفات سياسية جديدة يلتزم بها بالضرورة النظام البديل.  هذا إلى جانب تهيئة المناخ لحالة إنقسام داخلي وصراعات قبلية وعرقية قد تمتد لسنوات وقد تؤدي في النهاية لخارطة إقليمية جديدة.  ولايجب أن ننسى هنا الصراع الخفي على إقتسام الغنيمة ما بين الولايات المتحدة من جهة والدول الأوروبية من جهة أخرى والمتمثلة بلعبة الشد والجذب فيما يتعلق بحجم وطريقة التدخل العسكري ودعم الثوار.
أما على الجانب اليمني فالمعادلة تختلف بحكم الموقع الجغرافي والعلاقة مع الجوار، إضافة لخصوصية التهديد الطائفي والمتمثل في التمرد الحوثي وما يعنيه ذلك من فرص إزدياد النفوذ الإيراني في منطقة شائكة وعلى مضيق حيوي كباب المندب. هذا إضافة إلى عدم إتضاح ملامح النظام البديل حتى الآن، وهل يمكن أن يأخذ نفس دور النظام الحالي في مواجهة الأصولية السلفية والنزعات الإنفصالية الشيعية في آن واحدكما برع في ذلك ذات النظام مما كان، لسخرية الأقدار، سبب من أسباب مأزقه الحالي مع الشعب. 
أما الحالة السورية، فسقوط النظام ليس مطلب شعبي فحسب، بل هو مطلب أمريكي إسرائيلي في المقام الأول. لذلك كان لابد من التسارع الحاد في تأجيج الأمور وتأزيمها لمرحلة اللاعودة، فتلك فرصة تاريخية طال إنتظارها وليس بالضرورة توافر نفس الظروف في المستقبل المنظور.  فسقوط النظام في سوريا يعني إنكشاف حزب الله، وفقدان إيران لأهم حليف في المنطقة، إلى جانب تهيئة الفرصة جدياً لإعادة تقسيم المنطقة حسب خارطة الشرق الأوسط الكبير وحسم آخر الملفات العالقة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
كلنا نريد أن نحتفل بصيف عربي جميل بعد ربيعه الزاخر، ولكننا في نفس الوقت لانريد ليبيا جديدة على الطريقة الصومالية أو السودانية في أحسن الأحوال، ولا نريد سوريا ديمقراطية على الطريقة العراقية، ولا يَمَنٍ سعيد على الطريقة الأفغانية.  نعم لإنتفاضة الشعوب من أجل الديمقراطية والحرية، ولكن لا لتقسيم البلاد وهدر الدماء في سبيل المجهول.
هنا يقع المثقف العربي في تناقض حاد مع نفسه، هل هذا ثمن مقبول للحرية والديمقراطية؟ وهل هذا هو الطريق الوحيد للديمقراطية؟ وماذا عن طموحات الجماهير وإنتفاضتها وتضحياتها التي طال إنتظارها؟  هل تُخذَل الجماهير من أجل مواقف سياسية قد تتباين من شخص إلى آخر؟ وفي نفس الوقف، هل تنتظر الجماهير أصلاً تلك النخب المثقفة لتوجيه حركتها وإختطاف إنجازاتها، أم إنها قادرة بحراكها الذاتي على صنع مستقبلها وتحمل تبعات قرارها بالثورة؟
هذه الأسئلة ترجعنا للإشارة إلى بنية العقل العربي الجماعي، ومدى دقة التشريح العلمي لأزمة هذا العقل من قبل مراكز التفكير وصنع القرار على الجانب الآخر.
فحالة الإنفصال كانت وما زالت دائمة بين النخب السياسية والفكرية العربية وبين المجتمع في عمومه وجماهيره.  حتى أن الحالة قد تجاوزت الإنفصال والتوجس إلى حد الخصام و العداء في كثير من الأحيان. وهذا ما رأيناه مراراً وتكراراً على شكل النَبْذ الإجتماعي للعديد من المفكرين، وحتى تجريمهم وحبسهم ومطاردتهم. وهذا لم يكن بفعل الأنظمة القمعية بقدر ما كان بفعل التخلف الإجتماعي والمجتمعي.    إن هذه الحالة هي نتيجة طبيعية لأزمة العقل العربي الجماعي، والتي مع الأسف عجزت النخب الفكرية العربية عن علاجها، مع قدرتها الفائقة على تشخيصها بشكل دقيق، في الوقت الذي نجحت فيه المراكز الأجنبية ليس فقط بتشخيصها، بل بزيادة الهوة والإستفادة منها وتوجيهها. وهذا ما رأيناه ومازلنا نراه على شكل إتجاهات دينية متطرفة مسلمة ومسيحية، وعلى شكل فِتَن طائفية وقبلية، وعلى شكل حركات ليبرالية متماهية مفرغة من الفكر وفاقدة للبوصلة، وكذلك على شكل سياسيين وأشباه مثقفين يُنَظِرُون للخلاص الديمقراطي حسب الوصفة الأمريكية سريعة التحضير.

إن وقع الصدمة والتروييع قد ضلل بعض المثقفين ودفعهم لركوب الموجة دفاعاً عن كل ما تقوم به الجماهير وبغض النظر عن النتائج الكارثية التي قد يسببها فقدان البوصلة وإنعدام القيادة الفكرية والسياسية لتلك الإنتفاضات.  وهذا في حد ذاته خيانة للجماهير وتقاعس عن تحمل المسؤولية الحقيقية في النضال الثقافي والإجتماعي. 
لقد عانت النخب الوطنية في العالم العربي ما عانته طوال عقود في حث الجماهير على الإنتفاض والتغيير ودفعت الكثير ثمناً لذلك، ولاقت مقابل ذلك الجحود والنكران.  والآن تعاد الكرة ولكن مع أمل حقيقي في التغيير إذا ما أحسنت هذه النخب التحليل والإدارة وإذا ما أحكمت صوت العقل والمنطق.  إن النخب السياسية والثقافية التي عجزت عن الإتيان بالتغيير طوال عقود من التنظير والنحيب، هي نفسها التي تفاجأت بإنتفاضة الجماهير من المحيط الى الخليج، ووجدت أنه من الأسهل والأوفر عليها أن تركب موجة التصفيق بحرارة على أن تتصدى بمسؤولية وتعقل لما يجري وأن تحاول أن توفر النصيحة الفكرية (ولا أقول القيادة الفكرية) لهذه الجماهير. 
فالجماهير المنتفضة عفوياً تفتقد القيادة السياسية والفكرية، وعليه وبعيداً عن نظرية المؤامرة،  نستطيع أن نلاحظ وبوضوح التوجيه بمختلف الأشكال والأساليب التي تتبعها وتنجح بها الى حد كبير مراكز التفكير و القرار السياسي الأجنبية.  وهنا تقع مسؤولية النخب الوطنية للتأثير الإيجابي من أجل تحقيق تغيير ديمقراطي وصنع الحرية والإستقلال حسب أجندات وطنية وليس من أجل إعادة إنتاج الفوضى والسير نحو المجهول.

إن هذه الجماهير المنتفضة بمختلف أطيافها المؤيدة والمعارضة، العفوية و الليبرالية، اليسارية  والدينية على إمتداد تردداتها المعتدلة والمتطرفة، إلى تلك الغارقة بالتطرف، جميعها كانت خلال عقود ولن تزال مستعدة لتقديم آيات الولاء والطاعة للقيادة حسب أنانيات ومصالح فردية و فؤوية؛ ذلك الى أن يتحرر العقل العربي جدياً من التخلف الإجتماعي والإضطهاد الذاتي.  وللأسف  لا أرى اننا بالمجمل العام قد إقتربنا ولو قليلاً من هذا الهدف. 
لذلك، فلتتبارك وتستمر حركة الجماهير بغض النظر عن أولوياتها وأهدافها المرجوة من الإنتفاضة، ولكن لتتاح الفرصة أيضاً أمام الطرف الآخر من أجل الرضوخ لمطالب الإصلاح و التغيير دون تدمير البلاد وإزهاق الأرواح.  ولا أعني هنا الحالة الليبية، فقد دخلت الأخيرة في مرحلة "الصوملة"، ولكن لم يفت الأوان بعد فيما يخص سوريا واليمن.   إن إعطاء الفرصة للتغيير لايعني وأد الإنتفاضة أو تجميدها، بقدر ما يعني جمع الغنيمة ورصد الإنجاز.  ومن إنتفض الآن يمكنه، بل يجب عليه، أن ينتفض لاحقاً إن لم يتحقق التغيير المرجو. وللحساب والعقاب يوماً لابد آتٍ في ظل نظام مؤسسي ديمقراطي، وليس في ظل الفوضى ومحاكم التفتيش.   إن ثمن الإستكانة طوال تلك العقود ليس بأقل كلفة من إنتظار بضعة شهور لإتاحة الفرصة للتغيير والإصلاح وتجنب التدمير وتدخل الأجندات الخارجية.
أما بعد تحقيق التغيير، نرجو أن يتساءل كل فرد منا عند إعطاء صوته لمرشح بلدي أو نقابي أو حزبي أو برلماني، هل أعطي صوتي لهذا المرشح أو ذاك بناءاً على الكفائة والمصلحة الوطنية، أم بناءاً على الإنتماء القبلي أو الطائفي أو الأيدولوجي.  
نعم وبكل صراحة وبدون مواربة، الجماهير بمن فيهم كاتب المقال، بالإضافة الى النخب السياسية والفكرية هي من تتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى عن عقود من النكوص والتخلف، وعليها مراجعة الذات والوقوف على أسباب الجهل من أجل الإنعتاق من التخلف والإنتقال إلى ديمقراطية حقيقية مؤسسة ومؤسسية، فكما تكونوا يولّى عليكم.

كميل حلمي 25/05/2011