الأربعاء، 25 مايو 2011

رأي شخصي في كتابات أحلام مستغانمي ومسلسل ذاكرة الجسد


أذكر أن أول مرة تعثرت بها برواية "ذاكرة الجسد" كانت عندما قرأت خبراً في صحيفة يفيد برغبة الفنان نور الشريف أن يقوم بأداء دور البطولة في فليم يدور حول تلك الروايةكان عنوان الرواية آنذاك مثيراً للانتباه، وقد زاد من إهتمامي معرفة أن الرواية هي لأديبة جزائرية لم أكن قد سمعت بها من قبل.  في ذات المساء ذهبت باحثاً عن تلك الرواية التي لم تكن متوفرة بعد في الإمارات العربية، فقمت بطلبها من صاحب المكتبة على أن يوفرها لي في غضون أسبوع.  كان ذلك على ما أعتقد في سنة ١٩٩٧ أو في سنة ١٩٩٨، لم أعد أذكر.  
تأخرت الرواية عن الوصول وقد توالى إهتمامي بعد علمي بأن الرواية مرشحة أيضاً لنيل جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية. 
لم يخب ظني بعد أن بدات بقراءة الرواية بِلُغَتها الشعرية الأنيقة والتعابير القبّانية في العشق التي عجز عن الإتيان بها كثير من مبدعي الشعر الحديث.  كانت فعلاً رواية تقف بين الزحام، كانت مليئة بدهشة الإنفعالات الرجولية وأسرار الهزيمة التي لا يمكن أن يعبر عنها بكل تلك المصداقية إلا رجل تشظى طعناً بالوَلَه والغيرة، وإمتلك لسان نزاركان ذلك محور الإبداع في تلك الرواية، مشاعر رجل مذبوح مَسْطورة بحبر إمرأة إمتلكت موهبة شعرية فذّة.  كذلك كان كتاب أحلام مستغانمي الثاني "فوضى الحواس" مع إختلاف لسان الحال، حيث أذكر أيضاً نشوتي المتكررة مع تلك التعابير المجازية والتشابيه الشعريّة الذكية.  كانت الأفكار والصور تنساب بتلقائية و تبدو جميلة على صفحات الكتاب، و كانت أيضاً تختلس النظر و تشي بأقدس أسرار الغرام.  لكن لم يكن الأمر كذلك مع "عابر سرير"، فقد كان متطفلاً ثقيل الدم على تلك الذاكرة المحرمة.  لاأخفي بأنني ضقت ذرعاً بالتكرار وإجترار المشاعر والذكريات، ولاأخفي بأنني بسبب ذلك لم أكمل قراءة الكتاب، ولكن دون أن ينقص من تقديري لتلك الموهبة الفذة التي يجب أن تعطى حقها بين أفضل كتاب الرواية العربية.  

إن المتأمل في ثلاثية الكاتبة (ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير) سوف يلاحظ التكرار في الروايات الثلاثة، حتى مع إختلاف لسان الحال من السرد بلسان رجل في الكتاب الأول الى السرد بلسان إمرأة فيما تلاهكذلك لابد أن يلاحظ الإنحياز للرجل المتمثل بشخصيتي "خالد" و "زياد" في مقابل شخصية المرأة "الجلاد" صاحبة العشق السادي، والإدانة الضمنية لتقلب مشاعرها المتمثلة بشخصية "حياة"، مما يشكل تناقض حاد في المواقف بين رواياتها السابقة وبين كتابها الأخير "نسيان".
إن من إعتصر ذهنه لتأليف ذاكرة الجسد لا يمكن آن يعلن الكفاح المسلح على الرجل، وكأن القضية هي حرب أزلية بين الرجال والنساء بمنطق فيمينستي متطرف. لذلك لابد من إبداء الدهشة  ازاء هذا الانقلاب الحاد في المواقف والمشاعر بين الكتابين، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاول رواية والثاني أشبه ما يكون بالخواطر المطولة والتي هي بمثابة اعلان موقف وقناعات. ان ذلك يثير تساؤل مشروع، هل كانت ذاكرة الجسد محض رواية من خيال الكاتبة أم هي وشاية بذاكرة شخص ما؟
       
وكان رمضان بعد سنين، وكان كرنفال الدراما العربية أو بالأحرى مهرجان الإعلانات التلفزيونية والتي تتخللها الأعمال الدرامية، التي هي بدورها ليست بعيدة عن حسابات المعلنين إن لم تكن تُفَصَّل خصيصاً على مقاس سوق الإستهلاك ودينامية العرض والطلب.  وكما كان الحال قبل ثلاثة عشر عاماً وجدت أن مسلسل "ذاكرة الجسد" يقف واضحاً وسط الزحام، أو هكذا إعتقدت من متابعتي للحلقات العشرة الأولى.  إلا أن ما إتضح لاحقاً أن المسلسل وإن كان من إخراج نجدة أنزور وأداء عدد من النجوم المميزين، إلا إنه للأسف لم يبتعد عن حسابات موسم الدراما وشروط المنتجين والمعلنين.  
بإعتقادي أن سبعة حلقات من بين العشرة الأوائل كانت كافية لنقل ذلك العمل من صفحات الكتاب إلى شاشات التلفزيون بإخلاص للرواية  وبأداءٍ مميز لجميع الممثلين، أما ما تلا ذلك من لَتٍ وعَجْن فإنه لم يتجاوز هدف ملء ساعات العرض لجلب الإعلانات التلفزيونية على إمتداد الشهر، مما أثَّرَ سلباً على مجمل العمل الفني والأدبي والدرامي في آن، وإن كان قد حقق ظهوراً نوعياً وكاسحاً لمُصَّنِع ومُسَّوِق الفُوَط الصحية النسائية ذات الأجنحة.

لا أدري ذاكرة من كانت، أو ذاكرة من كانت قد إِنْتُهِكَت، لكن النتيجة كانت ذاكرة إبداعية أغنت المكتبة الأدبية ولكنها قطعاً لم تغني المكتبة التلفزيونية.

كميل حلمي 18/09/2010