لايمكن أن يكون للإستقلال معنى بدون ديمقراطية، ولكن هل تصح الديمقراطية بدون إستقلال؟ لا أعتقد هنا بأن أي من الشعوب العربية قد حققت إستقلالها السياسي والإقتصادي للدرجة المطلوبة لتحقيق سيادتها على قرارها الوطني، ومن ثم لتوفر شروط الديمقراطية الحقيقية. و في هذا السياق بإعتقادي أنه من السذاجة بمكان تحقيق الإستقلال القطري و تحقيق ديمقراطية حقيقية في ظل وجود أراض محتلة وفي ظل وجود شعوب مهجرة، ناهيك عن وجود قوات أجنبية على الأراضي الوطنية، وحالة إرتهان إقتصادي تام لمركز رأس المال الممثل بالشركات العالمية وصندوق النقد الدولي.
يمكن طبعاً تحقيق إستقلال مرحلي كخطوة أولى على طريق تحقيق الإستقلال التام، ولكن لا يمكن تحقيق الديمقراطية الحقيقية قبل إكتمال الإستقلال. إن عدم إكتمال الإستقلال يعني بقاء الضغوط الخارجية على مجريات الأحداث الداخلية وتأثيرها الفاعل على سقف الحريات الديمقراطية وما يمكن أن تقود إليه.
أنا مع إنتفاضة الشعوب من أجل الحرية والديمقراطية، ولكنني في نفس الوقت لا أستطيع تجاهل التناقض الشديد في تحقيق الحرية والديمقراطية المستدامة دون تحقيق الإستقلال الوطني.
للشعوب حقها في أن تنتفض وأن تطالب بالديمقراطية، ولكن عليها أيضاً أن تتحمل مسؤوليتها الأولى بتحقيق الإستقلال، فالأولى أن تكون إنتفاضتها للإستقلال قبل الإنتفاض للديمقراطية حسب معايير المركز الرأسمالي، أو المركز الإستعماري الحديث. لقد خاضت بعض شعوب المنطقة في السابق حروب وإنتفاضات وثورات وإنقلابات من أجل الإستقلال، وإعتقدت خاطئة بأنها قد حققت ذلك الإستقلال، ولكنها في الحقيقة تقاعست فور إنتهاء المعركة وقبل تحقيق الإستقلال، وإنكفأت على أنانيات فردية و إقليمية مبررة دائما بالموروث القبلي أو الديني أو الإجتماعي، أو جميعهم. إن ذلك التقاعس في تحمل مسؤولية تحقيق الإستقلال كقاعدة أساسية لتحقيق الديمقراطية قد أتاح الفرصة أمام قادة تلك الشعوب، أو حاشيتها، إلى اللجوء للحل الأسرع لترسيخ حكمها بعيداً عن الديمقراطية وذلك بالإتجاه نحو الإستبداد والدفاع عن الذات المستبدة في متوالية لا نهائية أدت في النهاية إلى ترسيخ دكتاتوريات "وطنية" تغولت في بطش شعوبها من أجل "الحفاظ على الدولة والمكتسبات"، ولتحقيق ذلك ومباركته إستعانت تلك الأنظمة بمن إنقلبت عليهم سابقاً لترسيخ حكمها مقابل ثمن باهظ وهو التقاعس عن القضايا المركزية، وتحديداً قضية فلسطين، أو في أحسن الأحوال مقابل التنازل عن إستقلال القرار الوطني، الإقتصادي و السياسي. بمعنى آخر لم تحقق تلك الشعوب إستقلالها ولكنها فقط غيرت نظامها السياسي، وهذا ما أخشى تكراره فيما نشهده الآن، حتى وإن كان مع وجه "مودرن" للديمقراطية.
لذلك بإعتقادي إذا أرادت شعوب المنطقة ديمقراطية حقيقية، فعليها أولاً أن تخوض حرب إستقلال حقيقية (ليس بالضرورة بالمعنى الحرفي للكلمة)، وأن تدافع بعد الإستقلال عن الديمقراطية وشفافية الدولة، وأن تنحي جانباً جميع الإنتماءات المادون وطنية لصالح الإنتماء للدولة في بعديها القطري والقومي. والجانب القومي في حالتنا الخاصة، دوناً عن شعوب العالم، قد لايقل مركزية عن الجانب القطري، وهو بالضرورة قضية فلسطين كقضية أساس لكافة شعوب المنطقه ودولها القطرية، خصوصاً أن بعض تلك الدول تأثرت ومازالت تتأثر بشكل مباشر من جراء إقتطاع الأراضي الفلسطينية من سياقها الجغرافي والديمغرافي. فكما أن الرأسمالية لا تستطيع معالجة أزماتها، ولكنها في المقابل بارعة في تصديرها من مكان جغرافي إلى آخر، فكذلك الحال في الإستقلال الشكلي أو الديمقراطية الشكلية للدولة القُطرية حسب الوصفة الأمريكية. فهي قد تطرح ديمقراطية ما وحرية ما، ولكنها في ظل عدم الإستقلال الحقيقي تكون تلك الديمقراطية هي مقايضة بإنعدام ذات الديمقراطية والحرية في مكان آخر.... وهنا بالضرورة فلسطين.
كميل حلمي 21/04/2011