الجمعة، 24 يونيو 2011

إستحضار الهمجية الأُولى


الحاكا (Haka) هي رقصة حرب قديمة كانت بعض القبائل النيوزلندية تمارسها عند الإلتقاء بالأعداء قبل المعركة.  كان المحاربون يقومون بتلك الرقصة بشكل جماعي لبث الرعب في خصومهم وتحذيرهم من بطشهم وجبروتهم من خلال حركات وإيماءات همجية تنذر بالقتل والسحل، وتهدد بإنتهاك الفحولة والأنوثة على حد سواء.  يعلو الصراخ والسباب والأصوات المرعبة، وتجحظ العيون و يبدأ الطرق بالأيدي والأرجل تهديداً ووعيداً مع إشارات فاحشة تنبئ بما قد يحدث للطرف الآخر.  ومع مرور الزمن تعددت أشكال وتوظيفات تلك الرقصة حتى تحولت إلى جزء من التراث الشعبي النيوزلندي وأصبحت بدعة عند فريق الرجبي يؤديها اللاعبون أمام الفريق الخصم قبل بدء المباراة.
لا أدري ما سر إختيار مدراء الشركة التي أعمل بها لتلك الرقصة بالذات كمِسْكِ الخِتام للإجتماع السنوي العام.  فالشركة التي أعمل بها هي واحدة من الشركات العالمية التي لاتغيب عنها الشمس، حتى أن لها تقويماً سنوياً خاصاً وفصولاً مالية خاصة تختلف عن الفصول التي نعرفها.  كذلك لها نظام إدارتها الخاص ورؤساء معينون، وميزانيتها الخاصة وإستراتيجياتها وسياساتها الخاصة أيضاً.  ولست أبوح بسرٍ  إذا قلت أن دخلها السنوي العام يفوق الناتج المحلي الإجمالي للأردن أو لعدد من الدول النامية مجتمعة، ناهيك عن معدل النمو السنوي الذي يبلغ أضعاف معدلات النمو السنوي في عدة دول أخرى.  وطبعاً كأي شركة عالمية ناجحة كان الخطاب السائد في الإجتماع هو إستغلال الفرص وعدم إضاعة أية فرصة ممكنة لصالح المنافسين، وفي حالة عدم وجود فرص كافية لتحقيق الأرقام يجب خلق فرص جديدة من العدم وإستغلالها.
هذا طبعاً على مستوى مؤسسة من الرقي المهني والأخلاقي كالشركة التي أعمل بها، فما بالكم إذا تحدثنا عن شركاتٍ أخرى كشركات السلاح العالمية، أو شركات الدفاع كما يفضلون تسميتها، والتي منها ما يفوق حجماً ودخلاً ووزناً وتأثيراً عدة مؤسساتٍ مسالمة كالشركة التي أعمل بها.  فهل يا تُرى يرقص مدرائها التنفيذيون "الحاكا" أمام موظفيهم، و هل يدعوهم أيضاً لخلق فرص جديدة في حالة عدم كفاية المتوفر منها لنمو أعمالهم؟  ما شكل الفرص المطلوب خلقها، وما هي أساليبهم الخلاّقة في خلقها؟  
أتمنى أن لا أضطر يوماً للعمل مع شركة من هؤولاء.      
فيما بدا كأنه حنين أو إستحضار لهمجية بائدة، إنتهت رقصة الحاكا التي شارك بها بعض المدراء المحترمين وعدد من الموظفين المتحمسين بمصاحبة الفرقة الإستعراضية النيوزلندية، وذلك في مواجهة جموع من الموظفين المذهولين.  ضحكنا وصفّقنا، وضحكت وصفقت، ولكن لا أدري لماذا شعرت بالقرف والغثيان فور إنتهاء الضحك والتصفيق.   
بقي أن أقول أنني كرئيس غير منتخب، ولكن شرعي بلا أدنى شك، حتى وإن كان ذلك بمحض الصدفة البيولوجية، أجد نفسي مضطراً للإنصياع لإملاءات الحكومة والهيئات التنفيذية العليا المتمثلمة جميعاً بِشخصية "المدام".  وتنفيذاً لرؤيتها لمصالح البيت والأسرة وتوفير الحياة الرغيدة للمواطنين وتعليمهم في مدارس لاتقل في حدها الأدنى عن الشويفات، وتوفير إحتياطي نقدي كافٍ من العملات الأجنبية لضمان المستقبل، أجد نفسي مضطراً لإستمرار الإرتباط والعمالة لصالح مراكز رأسمالية إحتكارية عالمية همجية عابرة للقارات كتلك التي أعمل بها.  مع الإبقاء في السياق ذاته على علاقات دبلوماسية سمجة مع ممثلي هيئات شبيهة ورؤساء أقل أهمية حسب ما تقتضي البراغماتية العملية، وشروط الحياة الإجتماعية.
لذلك وللأسف، باءت بالفشل جميع محاولاتي "الغير جادة" للإنعتاق وفك الإرتباط مع تلك المراكز تحسباً وخوفاً من إنتفاضات داخلية أو مطالبات جماهيرية بإسقاط النظام.  
و إلى حين إعادة تعريف علاقات الإنتاج والملكية الأسرية، لنا حديث.

كميل حلمي 24/06/2011



السبت، 18 يونيو 2011

الحقيقة وراء "فيلم" ربيع الأربعين، وأشياء أخرى


أولاً، وقبل البدء في قراءة هذا المقال أرجو التفضل بقراءة المقال السابق "ربيع الأربعين".  وبعد قراءة ذلك المقال أرجو إعادة قراءته، أو الإمعان في قراءة ما كتب بين السطور.  
ثانياً، أرجو المعذرة من الأصدقاء اللذين وقَعوا في اللُبْس بعد القراءة السريعة للمقال المذكور، وممن قد طلبوا مني الأسم الانجليزي للفيلم ولم أجب على طلبهم، وكذلك الذين إقترحوا إنشاء صفحة على الفيسبوك من أجل الإفراج عن "الفيلم".  
ثالثاً، لمن وقع في لُبس القراءة الأولى وكان قد تسرع في قراءتي في مرات سابقة، أرجو التروي في المرات اللاحقة، وعدم التسرع في إصدار الأحكام والإستنتاجات، حيث من الواضح سهولة الوقوع في اللبس في ظل ما نعيش به من خلط وفوضى تستدعي منا التأمل والتفكر في كل ما يجري بشيء من الهدوء والتدقيق. 
فكما أوضحت في نهاية المقال المذكور، لا وجود لفيلم بذلك الأسم ولاحتى مجرد تفكير بإنتاجه.  إنما سعيت من خلال ذلك المقال لتوضيح حقيقة تغيب عن أذهاننا، تماماً كما تغيب عن أعيننا تفاصيل لانريد رؤيتها في خضم حماسنا ورغبتنا برؤية ما نريد رؤيته وتجاهل كل ما لانريد، أو تجاهل كل ما قد يسبب لنا بعض الألم والإحراج.
تلك الحقيقة هي أننا متحمسون في طبعنا وإنفعاليون لدرجة التخبط، تماماً كالغريق التواق للتشبث حتى بقشة.  وهنا لا أستثني نفسي من ذلك التوصيف، وأعتقد آسفاً أننا في المجمل العام نطفو على شِبرٍ من الماء، وأحياناً أكثر نغرق في نفس الشِبرْ.  وهذا راجع إلي ما ذكرته سابقاً (تأملات في ربيع الشعوب العربية) من خلل في العقل العربي، ذلك الخلل الذي إستطاع غيرنا تشخيصه والإستفادة منه لدرجة تقترب من السيطرة على أنفعالاتنا وتوجيهها أو توجيهنا جماعياً بما يخدم مصالحهم وليس مصالحنا.  تماماً كالخاضع للتنويم المغناطيسي ينفذ ما يؤمر به دون وعي أو إدراك بمجرد إصدار الإشارة أو "الكود" المبرمج في لاوعينا، ومن ثم العودة ثانية إلى مراقدنا.
يدفعني هذا للإشارة مجدداً إلى طريقة إدارتنا لثوراتنا وثرواتنا من دماءٍ وأرواح في لحظة تاريخية طال إنتظارها.  في الوقت الذي نمتلك فيه منطق وفكر وأدوات القرن الواحد والعشرين لا نزال نماهي ثورات القرن الثامن عشر بألياتها وأساليبها ودماءها ومآسيها.  بل نحن الآن أقل وضوحاً من القرن الثامن عشر.  في حين كانت الثورة الفرنسية تمشي على خطى فلاسفة ومفكرين ولدوا من رحم معاناة الشعب الفرنسي وحملوا أفكار ومبادئ خلاصه مثل فولتير وجان جاك روسو وغيرهم ممن وضعوا مبادئ الحرية والمساواة وفصل السلطات وإستقلالية الدولة عن الكنيسة، لانرى في ثوراتنا من قدم فكراً واضحاً أو حتى برامج إصلاحية متكاملة تنهض في المجتمع نحو حياة أفضل أو تنهض بالدولة نحو إستقلال حقيقي.  كم إسماً نعرف من هؤلاء القادة الإفتراضيين؟ هل قرؤوا هشام شرابي؟ هل سمعوا بمؤلفات محمد عابد الجابري؟ هل درسوا سيكولوجية مجتمعاتهم كما قدمها مصطفى حجازى، هل عرفوا عبد الوهاب المسيري؟ هل إختلفوا مع جورج طرابيشي؟ 
ألم نسألهم ماذا بعد الإطاحة بلويس السادس عشر؟  هل يأتي روبسبير السفاح، أم يأتي بونابارت الإمبراطور؟ هل يأتي عبد الحليم خدام أم يأتي وائل غنيم؟  هل يأتي قادتنا الجدد من القرن الثاني عشر أم من زمن الأئمة المجتهدين؟ 
هل نعي ما نفعل، أم إنها إطاحة بالنظام والسلام؟  هل يمكننا السباحة إلى بر الأمان، أم نستمر بالتخبط والتوهان؟ هل أجدنا السباحة أولاً، أم نتعلمها بعد مقتل الربان؟

تلك أسئلة برسم الإجابة من قِبَل قادتنا المحتملين ومن قِبَل من يطلق النار على من يتجرأ على السؤال. 

كميل حلمي 18-06-2011

السبت، 11 يونيو 2011

ربيع الأربعين


أكاد لا أستطيع إلتقاط أنفاسي في عجالة كتابة هذا المقال حتى لاتخونني ذاكرتي بعد مشاهدة العرض الخاص لهذا الفيلم، والذي تم بظروف إستثنائية جداً الليلة الفائته.  فلا أعتقد أن بإمكاني مشاهدته مرة أخرى قبل الإفراج عنه رسمياً، خصوصاً بعد القرار بمنع عرضه أو الترويج له في الإعلام حتى صدور قرار المحكمة الإتحادية الأمريكية.  وهذه دعوة للجميع للمشاركة بشتى الوسائل الممكنة للضغط في سبيل إسقاط الدعوى المقامة والإفراج عن الفيلم.

"ربيع الأربعين" هو فيلم جديد من النوع الدرامي التسجيلي للمخرج العالمي جيمس كاميرون مخرج فيلم آفاتار الشهير "Avatar" وصاحب أعلى مبيعات في تاريخ هوليود، والذي في نفس الوقت كان قد حرم من جميع جوائز الأوسكار لصالح فيلم ذي هيرت لوكر "The Hurt Locker"،  الفيلم الأول لزوجة كاميرون السابقة والذي مع سخافته المطلقة حصد جميع جوائز الأوسكار ذلك العام.  بالطبع كان ذلك بمثابة عقاب واضح وفي الصميم لكاميرون لتجرأه على تعرية و مهاجمة العدوانية الإستعمارية و همجية الإحتلال في كافة أشكالها من خلال فيلم آفاتار.  الجميع كان قد راهن بعد ذلك على أن كاميرون سيتعلم من الدرس ويخر طلباً للسماح، ولكن كان رد كاميرون الآخير مدوياً من خلال فيلم "ربيع الأربعين" والذي بمجرد عرض لقطاته الدعائية الأولى قامت الدنيا ولم تقعد وتم فوراً تحريك قضية إتحادية لمنع عرضه الذي كان من المقرر بدأه في تاريخ الخامس من حزيران الجاري.  كما تمت إزالة كافة المواد الإعلانية والدعائية عن الفيلم بما فيها موقع الفيلم على شبكة الإنترنت ومقدمته الدعائية على اليوتيوب، وكذلك صفحته على الفيسبوك.

المفاجئآت عن الفيلم لم تنتهي بعد.  الفيلم وإن كان يميل إلى النوع التسجيلي الوثائقي أكثر منه إلى الدرامي السينمائي، فهو من بطولة نخبة كبيرة من نجوم هوليود بالإضافة إلى عدد من النجوم العرب.  شارك في الفيلم كل من جورج كلوني، ليوناردو دي كابريو، مات ديمون، بسام كوسا، تيم حسن، خالد أبو النجا، وعدد من الممثلين الأتراك لا أعرف أسمائهم، مع ظهور بسيط أيضاً لروبرت دي نيرو كمقدم للفيلم مع تعليق صوتي له على بعض المشاهد التسجيلية.

طبعاً وكما يوحي أسم الفيلم وتاريخ عرضه المفترض، يمكنكم الإستنتاج بأن الفيلم يدور حول إنتفاضة الشعوب العربية مع ربط ذلك بأربعين سنة (أو يزيد) من تاريخ النكسة والإحتلال.
وقد جاء قرار كاميرون بالتصعيد ومعه كل هؤلاء النجوم بمثابة هدية تضامن مشكورة للشعوب العربية في ربيعها الزاهر، وفي ذكرى نكستها.  فهو في هذا العمل لاينتقم لنفسه بقدر ما يلتزم إنسانياً تجاه قضايا شعوب المنطقة، وذلك بتعرية إزدواجية المعايير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وإسرائيل، وكذلك أساليبها الخداعية الخبيثة والمتخمة بالإجرام و التلاعب بمصالح ومصائر الشعوب بما يخدم مصالحها الذاتية وحسب.  يلجأ كاميرون في ذلك بإتباع أسلوب جديد، وهو أسلوب التأليف الجماعي الإرتجالي، كولابوراتيف أوثيرينج (Collaborative Authoring)، بإشتراك عدد من كتاب الدراما والقصة وحتى بعض الممثلين أنفسم، وخصوصاً "مات ديمون" كما ذُكر في مقدمة الفيلم.

أسلوب كاميرون الدرامي الوثائقي إعتمد على تداخل مشاهد تمثيلية قام بها نجوم الفيلم، مع عرض أجزاء من أفلام سينمائية أخرى مشهورة سنأتي على ذكرها لاحقاً.  كما إعتمد أيضاً على عرض لقطات تسجيلية وإخبارية حقيقية مثل بعض المظاهرات في سوريا واليمن، وصور لبعض المعارك في ليبيا، وكذلك مشاهد من المسيرات والإحتجاجات في الأردن، حيث أعتقد انني إستطعت أكثر من مرة تمييز ملامح النقابي المعروف خالد رمضان في بعض تلك المشاهد.  لا أدري إن كان ذلك بإتفاق مسبق أم بمحض الصدفة.
كان ذلك طبعاً أحد الأسباب الرئيسية المزعومة لتحريك الدعوى القضائية ومنع الفيلم من العرض بحجة إنتهاك حقوق الملكية الفكرية لمنتجين تلك الأفلام السينمائية و حقوق بث المشاهد الإخبارية للمحطات الفضائية.

تدور قصة الفيلم حول ثلاثة شخصيات رئيسية.  الشخصية الأولى، جورج كلوني، رئيس أحد اكبر شركات الاعلام والانتاج السينمائي، والذي يَنظر إلى العالم من خلال شاشة البلاك بيري الصغيرة، معتقداً أنه في تواصل مباشر ودقيق مع الاحداث أولاً بأول، وبتواصل دائم مع مراسليه ومنتجيه ومع مراكز مؤسسته في نيويورك و هوليود.  لتبدأ بعد ذلك رحلته بإكتشاف الشرق الاوسط بمنظور أوسع نسبياً بمجرد هبوطه في اليمن حيث يُصدم بأن الناس هناك ترى الامور بشكل مختلف، وربما أوضح، ولعل ذلك بسبب عدم إستخدامهم لتلك الوسائل المقننه لرؤية العالم بمنظور فرضته آلة الاعلام والاتصال العالمية (مثل مؤسسته)، والتي ترتبط بشكل عضوي بمراكز السياسة الامريكية وشركات الطاقة والأدوية و السلاح من خلال التمويل المباشر أو غير المباشر عن طريق عوائد الدعاية والإعلان.  فالهدف الأساسي لمهمته في الشرق الأوسط هو صناعة وهندسة الأخبار والقصص واللقطات الإخبارية بما يخدم إملاءات أحد دوائر وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية ممثلة بالشخصية الرئيسية الثانية، بسام كوسا، عميل الإستخبارات الأمريكي من أصل سوري والملحق التجاري في السفارة الأمريكية في الأردن.  بسام كوسا، بأداءه الواثق لم ينطق كلمة إنجليزية واحدة طوال الفيلم وإكتفى بالعربية وباللهجة السورية، ومع هذا كان أداءه رائعاً ومبشراً بعالميته.
ليوناردو دي كابريو يلعب دور مدير تطوير الأعمال لأحد التجمعات التجارية العملاقة والتي تتألف من مجموعة من شركات السلاح والأدوية والنفط والإنشاءات، والذي بدوره ينقل رغبات ذلك الإئتلاف التجاري إلى "مات ديمون"، الشخصية الرئيسية الثالثة والذي يقوم بدور أحد الشخصيات الدبلوماسية في الخارجية الأمريكية، وذات العلاقة الوطيدة بشخصيات سياسية وإقتصادية إسرائيلية وشرق أوسطية.
       
على إمتداد ثلاثة ساعات وتسعة دقائق تتابع أحداث الفيلم على طريقة "الفلاش باك" خلال تجوال جورج كلوني في بلدان الربيع العربي لصنع الأخبار، وخلال ذلك يستحضر بذاكرته عدد من الأفلام السينمائية المعروفة والتي كانت شركتة قد قامت بإنتاج عدد منها، مثل فيلم "واج ذي دوج" (Wag the Dog) لدَستين هوڤمان وروبرت دي نيرو.  ذلك الفيلم الشهير الذي يدور حول إصطناع مشاهد حرب أهلية وتطهير عرقي في أحد البلدان من أجل تهيئة الرأي العام الأمريكي لشن حرب تدميرية والتدخل العسكري في تلك المنطقة.  وكذلك فيلم "سيريانا" (Syriana) لجورج كلوني أيضاً، والذي يُظهر كيفية إلتقاء مصالح الإئتلافات التجارية العالمية مع صناع السياسة الأمريكية وعلاقاتهم الغرائبية بمنظمات ثورية وكذلك قيامهم بتنظيم إغتيالات سياسية وردع فرص التغيير في دول ذات أهمية إستراتيجية، وذلك حتى من خلال تلفيق تفجيرات إنتحارية و قلب أنظمة الحكم في تلك الدول.

ثم ينتقل جورج كلوني إلى الأردن بعد إستدعاءه من قبل بسام كوسا، حيث تبدأ صحوة الضمير بعد تعرفه على "أبو زيد الهلالي" (تيم حسن) المراسل الصحفي، وذلك في إشارة طريفة على ما يبدو إلى ياسر أبو هلالة، مراسل قناة الجزيرة.  وهناك وفي خضم المسيرات الإحتجاجية و إلتقاءه مع أطياف مختلفة من الشعب الأردني، يبدأ بربط معاناتهم و أوضاعهم المعيشية والسياسية وحتى مصائر بلدانهم بقرارات يتم إتخاذها ريل تايم "Realtime" من خلال البلاك بيري بتأثير أشخاص وضيعين من أمثاله، بحكم مواقعهم وتأثيرهم على الرأي العام العالمي.  وخلال لقاءه مع بسام كوسا في مقر السفارة الأمريكية، يستحضر أنذاك فيلم بودي أوف لايز (Body of Lies) الذي تم تصويره في الأردن والذي يظهر قدرة المخابرات العالمية على إختراق المنظمات الإرهابية وتوجيهها لأغراض نبيلة في معظم الأحيان وأغراض غامضة في أحيان أخرى.
وإلى ذلك تتتابع الأحداث حيث يلتقي في مصر مع وائل غنيم (خالد أبو النجا) في برنامج تلفزيوني عالمي للقيادات الشابة، ومن ثم ينتقل للمرة الأخيرة إلى اليمن بصحبة "مات ديمون" للإلتقاء بعلي عبد الله صالح (جمال سليمان) وذلك في وقفة قصيرة أثناء طريقهم إلى الدوحة. 
أما في الدوحة، وبعد صحوة الضمير، وأثناء نقاش خلافي حامي الوطيس يقوم ديمون بإخبار كلوني بأن صديقه الجديد أبو زيد الهلالي قد تم تنويمه مغناطيساً منذ زمن على شاكلة أفلام ذي بورن أيدنتتي (The Bourn Identity) و ذي مانشوريان كانديديت (The Manchurian Candidate).  يقرر كلوني أنذاك العودة بسرعة إلى الأردن لإنقاذ أبو زيد، وتكون صدمته الكبرى عند إختلاسه السمع لحوار بين إثنين من المخبرين السريين (الممثلين الأتراك) أثناء وجودهم في نفس الحافلة، حول برنامج سري للتنويم المغناطيسي الجماعي، لارج سكيل نيرولوجيكال هيبنوسيس (Large Scale Neurological Hypnosis) والذي تم إجراء التجارب عليه بنجاح على إمتداد عدة سنوات في كل من باكستان وأفريقيا، ويتم حالياً تطبيقه بشكل عملي في منطقة الشرق الأوسط.
ينتهي الفيلم بعدها بمشهد مؤثر حين يترجل كلوني من باص المؤسسة ويقوم بتحطيم جهاز البلاك بيري وإستبداله فوراً بجهاز آي باد (iPad 3G) بشاشه لمس 9 إنش، وذلك لرؤية العالم بشكل أوضح..... إنتهى الفيلم.

تمت الاشارة في بداية المقال الى أسلوب الكولابوراتيف أوثورينج المتبع في تأليف الفيلم، وذلك لضرورات فنية بحتة.  وهنا للأمانة الفنية تجدر الإشارة إلى إقتصار المشاركة على عدد من عفاريت الكتابة اللذين تم إستحضارهم خصيصاً لهذه الغاية بواسطة طقوس وشعوذات سرية لتأليف هذه القصة المختلقة جملة وتفصيلاً، وإن أي تشابه بالأسماء أو الأحداث مع أسماء أو أحداث حقيقية هو غير مقصود. 
وأخيراً، وعلى سبيل الأمانة الفنية أيضاً، تجب الإشارة إلي أن جميع ما ورد في هذا المقال هو محض إفتراء وهذيان من خيال كاتب المقال، المثقل بالهواجس والأفكار المشوشة بفعل متابعة قناة الجزيرة و المشاهده المتكررة للأفلام، وبالأخص ثلاثية ذي ميتريكس (The Matrix).  فلا جيمس كاميرون ولا جورج كلوني ولا كوسا ولا هيلمان.  كل ماهنالك هذه دعوة للتأمل والتفكير، وربما لمشاهدة الأفلام المذكورة آنفاً، بإستثناء الفيلم التافه (ذي هيرت لوكر).  

كميل حلمي 11-06-2011




السبت، 4 يونيو 2011

الإحتراف في إضاعة الفرص


لابد أننا شعوب من صُلبٍ فريد، نشترك فيما بيننا بخصائص جينية ضاربة في القدم، ربما منذ إنهيار سد مأرب وتشتت القبائل العاربة في أصقاع الجزيرة إلى شمالها وشامها.  وأحد الدلائل على تلك الوحدة الجينية والذهنية هو براعتنا الفائقة بتناحة الرأس وإضاعة الفرص.  وتلك خاصية نشترك بها بحكم التيه شمالاً وجنوباً، مؤيدون ومعارضون، متدينون وعلمانيون، حكاماً ومحكومون.  
أكاد شخصياً أحصي عديداً من الفرص أضعتها جراء تعنت وعزة بالإثم، وأكاد أجزم أن قارئ هذه الكلمات يستطيع أيضاً إحصاء حماقات إرتكبها ذات تحدٍ، مع يقين تام بعبثيتها.  ربما هذا يضعني أو يضعنا ولا فخر، في مقام القادة والحكام، فهؤلاء مصرون على إضاعة كل الفرص من أجل الإصلاح وإنقاذ أوطانهم ورقابهم من تسونامي شعوبهم الجارف.  فالأخير كان قد حدث من فعل الزلزال وصداه الراجع في مصر وتونس، وقد وصلت موجاته الأُوَل عدداً من الشواطئ، وموجات أخرى في طور التشكل.
و لعل هذا أيضاً وبكل فخر دليل على قرابة الدم من ذات الجماهير، والتي لازالت مصرة على إسقاط النظام أو الفناء التام في سبيل ذلك، وبغض النظر عن كل الفرص الحقيقية المتاحة من أجل التغيير والإصلاح بشكل أقل تدميراً من تسونامي تايلاند واليابان مجتمعان.
في نفس الوقت، تنتابني نشوة وزهو لتطابق جيناتي حتى مع نخبة النخبة من مفكرين وسياسيين عرب قضوا جل حياتهم في الإعداد وإنتظار الفرصة المواتية للتأثير البنّاء من أجل التغيير الإيجابي في مجتمعاتهم وتجسير الهوة بينهم وبين شعوبهم وأنظمتهم، وها هم أمام الفرصة السانحة مع شيء من التواضع، ولكن هيهات هيهات للتواضع، فالتذهب جميع الفرص إلى الجحيم ولتركب الأمواج عالياً إلى المجهول.  
إن الموج الجارف قادر فعلاً على إسقاط النظام، أي نظام، ولكنه أيضاً سيخلف وراءه الدمار وسيحمل معه أنقاض أوطان..... سجّل أنا عربي.

كميل حلمي 04/06/2011