الجمعة، 27 مايو 2011

ثوّار الفيسبوك

تثيرني التعليقات العابرة عند الحديث عن إنتفاضة الشعوب العربية، وكأن ما نتابعه يومياً من ذبح ودماء هو مسلسل تشويقي متعدد الفصول على قناة إم بي سي آكشن، أو مباريات  الدوري الإسباني لكرة القدم.  وما يثيرني أكثر ذلك التضخيم لدور من درجت تسميتهم "شباب الفيسبوك" في تلك الانتفاضات، والمقولة بأنهم هم وحدهم أصحاب التغيير بطريقتهم الخاصة وليسوا بحاجة الى القيادات الوطنية الغابرة بفكرها الثوري و الايدولوجي المنقرض.  وكأن كل ما تم إنتاجه من فكر سياسي وإقتصادي طوال قرون أصبح "أولد فاشن" و من المشين حتى التحدث به، وكأن من يقول به ينتمي إلي فصيلة التايروناصور.
أولاً، لايمكن القول بشكل دقيق بقيادة شباب الانترنت او الفيسبوك للثورة. كما أنه لايمكن القول بفتُوّة، أي صغر عمر، من شارك أو يشارك في الثورات وإستبعاد باقي الفئات العمرية، وكأن هذا الحراك هو حكر على من هم دون العشرين من العمر، أو على مستخدمين الانترنت والبلاك بيري فقط.
فمع الإتفاق على الدور المفصلي الذي يلعبه الإعلام الجديد من تبادل وتكثيف للأفكار وكذلك من تحريك للجماهير، لا يمكن إختزال مجمل الحدث وتداعياته الى هذا الحد من التسطيح.  كما لايمكن توصيف من يدير صفحة على الفيسبوك بأنه قائد للثورة أو منَظِّر لها، أو قائد للجماهير، بقدر ما هو في الحقيقة ضابط إدارة فعّال للإتصال والإسناد الإعلامي، ولا شك في تأثيره على مجريات الأمور.  فإذا نظرنا بجدية الى محتويات "الحائط" بلغة الفيسبوك لأي من  "المواقع الرسمية" للإنتفاضات الحالية، وجدناها عبارة عن جمل متفرقة لاتكاد تشكل فقرة مفيدة بحد ذاتها، إضافة الى دعوات وتعليقات من هنا وهناك وصور وروابط.  وعلى أهمية هذه المواد الإعلامية كمواد تعبوية، لايمكنها مجتمعة أن تشكل وعي ذهني متكامل أو برنامج سياسي واضح الملامح يمكن للجماهير إتباعه للإصلاح، ناهيك عن وصفه كنظرية ثورية.
لذلك لابد من وضع الأمور في نصابها وفي سياقها الطبيعي بعيداً عن التصفيق والذهول والتسابق بإبتداع التوصيفات، وكأن ما كان من فعل للمشاركين على صفحات الفيسبوك هو قدرات خارقة إختصت بها أنصاف آلهة هبطت حديثاً من السماء.
فهؤلاء الشباب والكهول هم نفسهم أبناء الجيل السابق والحالي بكل مكوناتهم الجينية والفكرية وبكل إرثهم ووزرهم الثقافي والاجتماعي.  كل ما هنالك أنهم، و بحكم المتاح، استخدموا الأدوات المتوفرة تلقائياً في هذا العصر، ولو أتيحت هذه الأدوات لآبائهم أو لأجداد أجدادهم لكان نفس الفعل.
لذلك وبغض النظر عن الفئة العمرية، الشعب هو الشعب، والجماهير هي الجماهير، ولا بد من تَدخُل قيادات فكرية وسياسية ناضجة وواعية لوضع برنامج إصلاح وإستقلال وطني بأقل قدر من الدماء والأرواح.  ولابد أيضاً للجماهير وثوار الفيسبوك من الإستماع لصوت العقل وإعطاء الفرصة للإصلاح حتى تؤتي ثورتهم ثمارها.  ولا أعتقد هنا إن جوجل أو تويتر بصدد الإعلان قريباً عن الإصدار الجديد من "دليلك إلى الديمقراطية والإستقلال الوطني - نسخة الشرق الأوسط".

كميل حلمي 27/05/2011

الأربعاء، 25 مايو 2011

رأي شخصي في كتابات أحلام مستغانمي ومسلسل ذاكرة الجسد


أذكر أن أول مرة تعثرت بها برواية "ذاكرة الجسد" كانت عندما قرأت خبراً في صحيفة يفيد برغبة الفنان نور الشريف أن يقوم بأداء دور البطولة في فليم يدور حول تلك الروايةكان عنوان الرواية آنذاك مثيراً للانتباه، وقد زاد من إهتمامي معرفة أن الرواية هي لأديبة جزائرية لم أكن قد سمعت بها من قبل.  في ذات المساء ذهبت باحثاً عن تلك الرواية التي لم تكن متوفرة بعد في الإمارات العربية، فقمت بطلبها من صاحب المكتبة على أن يوفرها لي في غضون أسبوع.  كان ذلك على ما أعتقد في سنة ١٩٩٧ أو في سنة ١٩٩٨، لم أعد أذكر.  
تأخرت الرواية عن الوصول وقد توالى إهتمامي بعد علمي بأن الرواية مرشحة أيضاً لنيل جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية. 
لم يخب ظني بعد أن بدات بقراءة الرواية بِلُغَتها الشعرية الأنيقة والتعابير القبّانية في العشق التي عجز عن الإتيان بها كثير من مبدعي الشعر الحديث.  كانت فعلاً رواية تقف بين الزحام، كانت مليئة بدهشة الإنفعالات الرجولية وأسرار الهزيمة التي لا يمكن أن يعبر عنها بكل تلك المصداقية إلا رجل تشظى طعناً بالوَلَه والغيرة، وإمتلك لسان نزاركان ذلك محور الإبداع في تلك الرواية، مشاعر رجل مذبوح مَسْطورة بحبر إمرأة إمتلكت موهبة شعرية فذّة.  كذلك كان كتاب أحلام مستغانمي الثاني "فوضى الحواس" مع إختلاف لسان الحال، حيث أذكر أيضاً نشوتي المتكررة مع تلك التعابير المجازية والتشابيه الشعريّة الذكية.  كانت الأفكار والصور تنساب بتلقائية و تبدو جميلة على صفحات الكتاب، و كانت أيضاً تختلس النظر و تشي بأقدس أسرار الغرام.  لكن لم يكن الأمر كذلك مع "عابر سرير"، فقد كان متطفلاً ثقيل الدم على تلك الذاكرة المحرمة.  لاأخفي بأنني ضقت ذرعاً بالتكرار وإجترار المشاعر والذكريات، ولاأخفي بأنني بسبب ذلك لم أكمل قراءة الكتاب، ولكن دون أن ينقص من تقديري لتلك الموهبة الفذة التي يجب أن تعطى حقها بين أفضل كتاب الرواية العربية.  

إن المتأمل في ثلاثية الكاتبة (ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير) سوف يلاحظ التكرار في الروايات الثلاثة، حتى مع إختلاف لسان الحال من السرد بلسان رجل في الكتاب الأول الى السرد بلسان إمرأة فيما تلاهكذلك لابد أن يلاحظ الإنحياز للرجل المتمثل بشخصيتي "خالد" و "زياد" في مقابل شخصية المرأة "الجلاد" صاحبة العشق السادي، والإدانة الضمنية لتقلب مشاعرها المتمثلة بشخصية "حياة"، مما يشكل تناقض حاد في المواقف بين رواياتها السابقة وبين كتابها الأخير "نسيان".
إن من إعتصر ذهنه لتأليف ذاكرة الجسد لا يمكن آن يعلن الكفاح المسلح على الرجل، وكأن القضية هي حرب أزلية بين الرجال والنساء بمنطق فيمينستي متطرف. لذلك لابد من إبداء الدهشة  ازاء هذا الانقلاب الحاد في المواقف والمشاعر بين الكتابين، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاول رواية والثاني أشبه ما يكون بالخواطر المطولة والتي هي بمثابة اعلان موقف وقناعات. ان ذلك يثير تساؤل مشروع، هل كانت ذاكرة الجسد محض رواية من خيال الكاتبة أم هي وشاية بذاكرة شخص ما؟
       
وكان رمضان بعد سنين، وكان كرنفال الدراما العربية أو بالأحرى مهرجان الإعلانات التلفزيونية والتي تتخللها الأعمال الدرامية، التي هي بدورها ليست بعيدة عن حسابات المعلنين إن لم تكن تُفَصَّل خصيصاً على مقاس سوق الإستهلاك ودينامية العرض والطلب.  وكما كان الحال قبل ثلاثة عشر عاماً وجدت أن مسلسل "ذاكرة الجسد" يقف واضحاً وسط الزحام، أو هكذا إعتقدت من متابعتي للحلقات العشرة الأولى.  إلا أن ما إتضح لاحقاً أن المسلسل وإن كان من إخراج نجدة أنزور وأداء عدد من النجوم المميزين، إلا إنه للأسف لم يبتعد عن حسابات موسم الدراما وشروط المنتجين والمعلنين.  
بإعتقادي أن سبعة حلقات من بين العشرة الأوائل كانت كافية لنقل ذلك العمل من صفحات الكتاب إلى شاشات التلفزيون بإخلاص للرواية  وبأداءٍ مميز لجميع الممثلين، أما ما تلا ذلك من لَتٍ وعَجْن فإنه لم يتجاوز هدف ملء ساعات العرض لجلب الإعلانات التلفزيونية على إمتداد الشهر، مما أثَّرَ سلباً على مجمل العمل الفني والأدبي والدرامي في آن، وإن كان قد حقق ظهوراً نوعياً وكاسحاً لمُصَّنِع ومُسَّوِق الفُوَط الصحية النسائية ذات الأجنحة.

لا أدري ذاكرة من كانت، أو ذاكرة من كانت قد إِنْتُهِكَت، لكن النتيجة كانت ذاكرة إبداعية أغنت المكتبة الأدبية ولكنها قطعاً لم تغني المكتبة التلفزيونية.

كميل حلمي 18/09/2010


الديمقراطية مقابل الإستقلال ما زالت مقبولة أمريكياً



لايمكن أن يكون للإستقلال معنى بدون ديمقراطية، ولكن هل تصح الديمقراطية بدون إستقلال؟  لا أعتقد هنا بأن أي من الشعوب العربية قد حققت إستقلالها السياسي والإقتصادي للدرجة المطلوبة لتحقيق سيادتها على قرارها الوطني، ومن ثم لتوفر شروط الديمقراطية الحقيقية.  و في هذا السياق بإعتقادي أنه من السذاجة بمكان تحقيق الإستقلال القطري و تحقيق ديمقراطية حقيقية في ظل وجود أراض محتلة وفي ظل وجود شعوب مهجرة، ناهيك عن وجود قوات أجنبية على الأراضي الوطنية، وحالة إرتهان إقتصادي تام لمركز رأس المال الممثل بالشركات العالمية وصندوق النقد الدولي.  
يمكن طبعاً تحقيق إستقلال مرحلي كخطوة أولى على طريق تحقيق الإستقلال التام، ولكن لا يمكن تحقيق الديمقراطية الحقيقية قبل إكتمال الإستقلال.  إن عدم إكتمال الإستقلال يعني بقاء الضغوط الخارجية على مجريات الأحداث الداخلية وتأثيرها الفاعل على سقف الحريات الديمقراطية وما يمكن أن تقود إليه.
أنا مع إنتفاضة الشعوب من أجل الحرية والديمقراطية، ولكنني في نفس الوقت لا أستطيع تجاهل التناقض الشديد في تحقيق الحرية والديمقراطية المستدامة دون تحقيق الإستقلال الوطني.
 للشعوب حقها في أن تنتفض وأن تطالب بالديمقراطية، ولكن عليها أيضاً أن تتحمل مسؤوليتها الأولى بتحقيق الإستقلال،  فالأولى أن تكون إنتفاضتها للإستقلال قبل الإنتفاض للديمقراطية حسب معايير المركز الرأسمالي، أو المركز الإستعماري الحديث.  لقد خاضت بعض شعوب المنطقة في السابق حروب وإنتفاضات وثورات وإنقلابات من أجل الإستقلال، وإعتقدت خاطئة بأنها قد حققت ذلك الإستقلال، ولكنها في الحقيقة تقاعست فور إنتهاء المعركة وقبل تحقيق الإستقلال، وإنكفأت على أنانيات فردية و إقليمية مبررة دائما بالموروث القبلي أو الديني أو الإجتماعي، أو جميعهم.  إن ذلك التقاعس في تحمل مسؤولية تحقيق الإستقلال كقاعدة أساسية لتحقيق الديمقراطية قد أتاح الفرصة أمام قادة تلك الشعوب، أو حاشيتها، إلى اللجوء للحل الأسرع لترسيخ حكمها بعيداً عن الديمقراطية وذلك بالإتجاه نحو الإستبداد والدفاع عن الذات المستبدة في متوالية لا نهائية أدت في النهاية إلى ترسيخ دكتاتوريات "وطنية" تغولت في بطش شعوبها من أجل "الحفاظ على الدولة والمكتسبات"، ولتحقيق ذلك ومباركته إستعانت تلك الأنظمة بمن إنقلبت عليهم سابقاً لترسيخ حكمها مقابل ثمن باهظ وهو التقاعس عن القضايا المركزية، وتحديداً قضية فلسطين، أو في أحسن الأحوال مقابل التنازل عن إستقلال القرار الوطني، الإقتصادي و السياسي.  بمعنى آخر لم تحقق تلك الشعوب إستقلالها ولكنها فقط غيرت نظامها السياسي، وهذا ما أخشى تكراره فيما نشهده الآن، حتى وإن كان مع وجه "مودرن" للديمقراطية.
لذلك بإعتقادي إذا أرادت شعوب المنطقة ديمقراطية حقيقية، فعليها أولاً أن تخوض حرب إستقلال حقيقية (ليس بالضرورة بالمعنى الحرفي للكلمة)، وأن تدافع بعد الإستقلال عن الديمقراطية وشفافية الدولة، وأن تنحي جانباً جميع الإنتماءات المادون وطنية لصالح الإنتماء للدولة في بعديها القطري والقومي.  والجانب القومي في حالتنا الخاصة، دوناً عن شعوب العالم، قد لايقل مركزية عن الجانب القطري، وهو بالضرورة قضية فلسطين كقضية أساس لكافة شعوب المنطقه ودولها القطرية، خصوصاً أن بعض تلك الدول تأثرت ومازالت تتأثر بشكل مباشر من جراء إقتطاع الأراضي الفلسطينية من سياقها الجغرافي والديمغرافي.  فكما أن الرأسمالية لا تستطيع معالجة أزماتها، ولكنها في المقابل بارعة في تصديرها من مكان جغرافي إلى آخر، فكذلك الحال في الإستقلال الشكلي أو الديمقراطية الشكلية للدولة القُطرية حسب الوصفة الأمريكية.  فهي قد تطرح ديمقراطية ما وحرية ما،  ولكنها في ظل عدم الإستقلال الحقيقي تكون تلك الديمقراطية هي مقايضة بإنعدام ذات الديمقراطية والحرية في مكان آخر.... وهنا بالضرورة فلسطين.

كميل حلمي 21/04/2011


تأملات في ربيع الشعوب العربية

لم تكد الإنتفاضة التونسية أن تضع أوزارها حتى التقطت الجماهير المصرية شرارة الثورة وحققت في زمن قياسي أسطورة إنتصار ثنائية لم تعهدها المنطقة ولم تتوقعها أو تستوعب تسارعها مراكز إتخاذ القرار العربية والغربية.  وقد إستفاقت الأخيرة مندهشة على واقع فرضه شعب أعزل كان قد أطاح بلمح البصر بقطبين من أهم أقطاب التبعية للسياسة الغربية.  لكن على الرغم من وقع الصدمة فقد إستطاعت تلك المراكز أن تلتقت أنفاسها بسرعة لا تقل قياسياً عن حركة باقي شعوب المنطقة، وجيشت ما جيشت من دوائر التفكير والتخطيط والتنفيذ لإستيعاب الحدث المتوالي، بل لتوجيهه بما يخدم مصالحها ويفيد في نفس الوقت في تفريغ مضبوط لذلك الإحتقان الذي لم يزل حتى وقت قريب إحتمال بعيد الحدوث حسب فهم تلك المراكز للبنية الإجتماعية والسياسية لشعوب المنطقة و حسب فهمها الدقيق لبنية العقل العربي الجماعي.
وكما هو متوقع، كان من أهم الأولويات لتلك المراكز عدم السماح بتكرار ما حدث في مصر وتونس في غيرها من دول المنطقة بشكل يفقدها السيطرة على مجريات الأمور بعد أن اتضح جلياً أن رياح التغيير قادمة لامحالة.  فكان التدخل المباشر والغير المباشر في ليبيا واليمن، وحتى إستباق الحدث كما هو الحال في سوريا.
فالمتأمل لما حدث في مصر وتونس لابد أن لاحظ غياب الشعارات الفئوية والطائفية لصالح المطالبة بالحرية والديمقراطية وتعرية الإستبداد والفساد والظلم الإجتماعي، في حين بدت جلياً الشعارات الطائفية والفئوية في المشهد السوري بشكل كاد يطغى على المطالبة بالإصلاح والديمقراطية، وخصوصاً مع تجاهل الجماهير المنتفضة سلسلة الإصلاحات المتلاحقة التي سارع النظام بطرحها بشكل غير مسبوق.  وما ينطبق على المشهد السورى لا ينطبق بالضرورة على المشهد الليبي أو اليمني، فكل له خصوصياته، فكما كانت الإنتفاضتان التونسية والمصرية خاليتين من المواجهة المسلحة بين الشعب والسلطة، كان الأمر شديد الإختلاف في الوضع الليبي، ويكاد أن يكون إلى حد ما في الوضع السوري واليمني.  فمن يقرر شكل المواجهة وطبيعة الصراع وتداعياته هو تداخل الأهداف الشعبية المشروعة مع الأهداف الخارجية بما يخدم الأخيرة في النتيجة المطلقة.
ومن هذا المنطلق يمكن للمراقب أن يقرأ الأهداف المرجوة أجنبياً من واقع سَيْر هذه الإنتفاضات وتسارع أحداثها او بُطأها.  فلنأخذ بداية ما يحدث في ليبيا في ظل الأطماع الاجنبية بالإحتياطي النفطي الليبي.  فعلى هذا الصعيد نرى تلكؤ مقصود في حسم الصراع الدائر بين النظام وبين الثوار حتى التأكد من التدمير التام للدولة وقدرتها العسكرية ومؤسساتها وبنيتها التحتية (بغض النظر عن جدوى تلك المؤسسات) وفتح الباب على مصراعيه أمام عقود إعادة البناء و الإعمار على شاكلة النموذج العراقي وما تدره تلك العقود من بلايين الدولارات للغرب، طبعاً لقاء إرتهان ليبيا ونفطها للسيد الأجنبي ضمن عقود تجارية وعسكرية وتحالفات سياسية جديدة يلتزم بها بالضرورة النظام البديل.  هذا إلى جانب تهيئة المناخ لحالة إنقسام داخلي وصراعات قبلية وعرقية قد تمتد لسنوات وقد تؤدي في النهاية لخارطة إقليمية جديدة.  ولايجب أن ننسى هنا الصراع الخفي على إقتسام الغنيمة ما بين الولايات المتحدة من جهة والدول الأوروبية من جهة أخرى والمتمثلة بلعبة الشد والجذب فيما يتعلق بحجم وطريقة التدخل العسكري ودعم الثوار.
أما على الجانب اليمني فالمعادلة تختلف بحكم الموقع الجغرافي والعلاقة مع الجوار، إضافة لخصوصية التهديد الطائفي والمتمثل في التمرد الحوثي وما يعنيه ذلك من فرص إزدياد النفوذ الإيراني في منطقة شائكة وعلى مضيق حيوي كباب المندب. هذا إضافة إلى عدم إتضاح ملامح النظام البديل حتى الآن، وهل يمكن أن يأخذ نفس دور النظام الحالي في مواجهة الأصولية السلفية والنزعات الإنفصالية الشيعية في آن واحدكما برع في ذلك ذات النظام مما كان، لسخرية الأقدار، سبب من أسباب مأزقه الحالي مع الشعب. 
أما الحالة السورية، فسقوط النظام ليس مطلب شعبي فحسب، بل هو مطلب أمريكي إسرائيلي في المقام الأول. لذلك كان لابد من التسارع الحاد في تأجيج الأمور وتأزيمها لمرحلة اللاعودة، فتلك فرصة تاريخية طال إنتظارها وليس بالضرورة توافر نفس الظروف في المستقبل المنظور.  فسقوط النظام في سوريا يعني إنكشاف حزب الله، وفقدان إيران لأهم حليف في المنطقة، إلى جانب تهيئة الفرصة جدياً لإعادة تقسيم المنطقة حسب خارطة الشرق الأوسط الكبير وحسم آخر الملفات العالقة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
كلنا نريد أن نحتفل بصيف عربي جميل بعد ربيعه الزاخر، ولكننا في نفس الوقت لانريد ليبيا جديدة على الطريقة الصومالية أو السودانية في أحسن الأحوال، ولا نريد سوريا ديمقراطية على الطريقة العراقية، ولا يَمَنٍ سعيد على الطريقة الأفغانية.  نعم لإنتفاضة الشعوب من أجل الديمقراطية والحرية، ولكن لا لتقسيم البلاد وهدر الدماء في سبيل المجهول.
هنا يقع المثقف العربي في تناقض حاد مع نفسه، هل هذا ثمن مقبول للحرية والديمقراطية؟ وهل هذا هو الطريق الوحيد للديمقراطية؟ وماذا عن طموحات الجماهير وإنتفاضتها وتضحياتها التي طال إنتظارها؟  هل تُخذَل الجماهير من أجل مواقف سياسية قد تتباين من شخص إلى آخر؟ وفي نفس الوقف، هل تنتظر الجماهير أصلاً تلك النخب المثقفة لتوجيه حركتها وإختطاف إنجازاتها، أم إنها قادرة بحراكها الذاتي على صنع مستقبلها وتحمل تبعات قرارها بالثورة؟
هذه الأسئلة ترجعنا للإشارة إلى بنية العقل العربي الجماعي، ومدى دقة التشريح العلمي لأزمة هذا العقل من قبل مراكز التفكير وصنع القرار على الجانب الآخر.
فحالة الإنفصال كانت وما زالت دائمة بين النخب السياسية والفكرية العربية وبين المجتمع في عمومه وجماهيره.  حتى أن الحالة قد تجاوزت الإنفصال والتوجس إلى حد الخصام و العداء في كثير من الأحيان. وهذا ما رأيناه مراراً وتكراراً على شكل النَبْذ الإجتماعي للعديد من المفكرين، وحتى تجريمهم وحبسهم ومطاردتهم. وهذا لم يكن بفعل الأنظمة القمعية بقدر ما كان بفعل التخلف الإجتماعي والمجتمعي.    إن هذه الحالة هي نتيجة طبيعية لأزمة العقل العربي الجماعي، والتي مع الأسف عجزت النخب الفكرية العربية عن علاجها، مع قدرتها الفائقة على تشخيصها بشكل دقيق، في الوقت الذي نجحت فيه المراكز الأجنبية ليس فقط بتشخيصها، بل بزيادة الهوة والإستفادة منها وتوجيهها. وهذا ما رأيناه ومازلنا نراه على شكل إتجاهات دينية متطرفة مسلمة ومسيحية، وعلى شكل فِتَن طائفية وقبلية، وعلى شكل حركات ليبرالية متماهية مفرغة من الفكر وفاقدة للبوصلة، وكذلك على شكل سياسيين وأشباه مثقفين يُنَظِرُون للخلاص الديمقراطي حسب الوصفة الأمريكية سريعة التحضير.

إن وقع الصدمة والتروييع قد ضلل بعض المثقفين ودفعهم لركوب الموجة دفاعاً عن كل ما تقوم به الجماهير وبغض النظر عن النتائج الكارثية التي قد يسببها فقدان البوصلة وإنعدام القيادة الفكرية والسياسية لتلك الإنتفاضات.  وهذا في حد ذاته خيانة للجماهير وتقاعس عن تحمل المسؤولية الحقيقية في النضال الثقافي والإجتماعي. 
لقد عانت النخب الوطنية في العالم العربي ما عانته طوال عقود في حث الجماهير على الإنتفاض والتغيير ودفعت الكثير ثمناً لذلك، ولاقت مقابل ذلك الجحود والنكران.  والآن تعاد الكرة ولكن مع أمل حقيقي في التغيير إذا ما أحسنت هذه النخب التحليل والإدارة وإذا ما أحكمت صوت العقل والمنطق.  إن النخب السياسية والثقافية التي عجزت عن الإتيان بالتغيير طوال عقود من التنظير والنحيب، هي نفسها التي تفاجأت بإنتفاضة الجماهير من المحيط الى الخليج، ووجدت أنه من الأسهل والأوفر عليها أن تركب موجة التصفيق بحرارة على أن تتصدى بمسؤولية وتعقل لما يجري وأن تحاول أن توفر النصيحة الفكرية (ولا أقول القيادة الفكرية) لهذه الجماهير. 
فالجماهير المنتفضة عفوياً تفتقد القيادة السياسية والفكرية، وعليه وبعيداً عن نظرية المؤامرة،  نستطيع أن نلاحظ وبوضوح التوجيه بمختلف الأشكال والأساليب التي تتبعها وتنجح بها الى حد كبير مراكز التفكير و القرار السياسي الأجنبية.  وهنا تقع مسؤولية النخب الوطنية للتأثير الإيجابي من أجل تحقيق تغيير ديمقراطي وصنع الحرية والإستقلال حسب أجندات وطنية وليس من أجل إعادة إنتاج الفوضى والسير نحو المجهول.

إن هذه الجماهير المنتفضة بمختلف أطيافها المؤيدة والمعارضة، العفوية و الليبرالية، اليسارية  والدينية على إمتداد تردداتها المعتدلة والمتطرفة، إلى تلك الغارقة بالتطرف، جميعها كانت خلال عقود ولن تزال مستعدة لتقديم آيات الولاء والطاعة للقيادة حسب أنانيات ومصالح فردية و فؤوية؛ ذلك الى أن يتحرر العقل العربي جدياً من التخلف الإجتماعي والإضطهاد الذاتي.  وللأسف  لا أرى اننا بالمجمل العام قد إقتربنا ولو قليلاً من هذا الهدف. 
لذلك، فلتتبارك وتستمر حركة الجماهير بغض النظر عن أولوياتها وأهدافها المرجوة من الإنتفاضة، ولكن لتتاح الفرصة أيضاً أمام الطرف الآخر من أجل الرضوخ لمطالب الإصلاح و التغيير دون تدمير البلاد وإزهاق الأرواح.  ولا أعني هنا الحالة الليبية، فقد دخلت الأخيرة في مرحلة "الصوملة"، ولكن لم يفت الأوان بعد فيما يخص سوريا واليمن.   إن إعطاء الفرصة للتغيير لايعني وأد الإنتفاضة أو تجميدها، بقدر ما يعني جمع الغنيمة ورصد الإنجاز.  ومن إنتفض الآن يمكنه، بل يجب عليه، أن ينتفض لاحقاً إن لم يتحقق التغيير المرجو. وللحساب والعقاب يوماً لابد آتٍ في ظل نظام مؤسسي ديمقراطي، وليس في ظل الفوضى ومحاكم التفتيش.   إن ثمن الإستكانة طوال تلك العقود ليس بأقل كلفة من إنتظار بضعة شهور لإتاحة الفرصة للتغيير والإصلاح وتجنب التدمير وتدخل الأجندات الخارجية.
أما بعد تحقيق التغيير، نرجو أن يتساءل كل فرد منا عند إعطاء صوته لمرشح بلدي أو نقابي أو حزبي أو برلماني، هل أعطي صوتي لهذا المرشح أو ذاك بناءاً على الكفائة والمصلحة الوطنية، أم بناءاً على الإنتماء القبلي أو الطائفي أو الأيدولوجي.  
نعم وبكل صراحة وبدون مواربة، الجماهير بمن فيهم كاتب المقال، بالإضافة الى النخب السياسية والفكرية هي من تتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى عن عقود من النكوص والتخلف، وعليها مراجعة الذات والوقوف على أسباب الجهل من أجل الإنعتاق من التخلف والإنتقال إلى ديمقراطية حقيقية مؤسسة ومؤسسية، فكما تكونوا يولّى عليكم.

كميل حلمي 25/05/2011