الأحد، 16 يونيو 2019

جُمعة مُباركه


سيذكر التاريخ أنه في صبيحة يوم الجمعة الذي يتلو "هلا بالخميس" الموافق الرابع عشر من حزيران لسنة 2019 ميلادي، أصبح المواطنون في الأردن على صخب وضجيج وعويل ناجم عن مس من الجان من العيار الثقيل أصاب المواطنين بعد إستحضارهم عن طريق الخطأ أحد مردة الجن المعروف بإسم "نت فليكس".
بعد الإستعاذة من الشيطان قررت إستحضار هذا الجن لمعرفة ما أصاب الناس.  لم يأخذ الأمر سوى بضع نقرات دون الحاجة لأي نوع من الطلاسم أو البخور، ليتلو ذلك أربع ساعات من المشاهدة التي لم تخلو من الإثارة والتشويق.
أولاً، مسلسل "جن" الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في الأردن ليس إنتاجاً أردنياً وإن شارك في إخراجة أحد المخرجين الأردنيين المهاجرين، وإن كان كل الممثلين والممثلات أردنيين.  المسلسل هو إنتاج شركة نت فليكس العالمية ولا يمكن تحميله أية رسالة تربوية أو إجتماعية، ولم يراد منه أصلاً أن يعالج أية ظاهرة مجتمعية أردنية. 
هذا المسلسل هو من نمط المسلسلات الموجة لفئة المشاهدين في عمر المراهقة ، ليس أردنياً فحسب بل عربياً وعالمياً في نفس الوقت، وهذه المسلسلات تمتلئ بها مكتبة نت فليكس وهي متشابهة ومتاحة للجميع.
يخضع إنتاج هذه البرامج لشروط سوق المشاهدة والإستهلاك التلفزيوني عالمياً، والتي من ضمنها عناصر الإثارة والترويج المرتبطة بالفئة المستهدفة من المشاهدين، وهذه شروط عامة عابرة للقارات والثقافات، أكان المنتج باللغة الهندية أو العربية أو السنسكريتية. من ضمن هذه الشروط الترويجية لهذه الفئة تندرج العلاقات العاطفية، الجنس، المخدرات، واللغة السوقية الدارجة بما تحمل من بذاءات، وكذلك الإثارة والتشويق والمغامرة.
شركة نت فليكس كما أسلفنا ليس من أدنى إهتماماتها حمل أي رسالة توعوية أو معالجة أية قضية، وإنما تحقيق الربح عن طريق زيادة عدد المشاهدات والإشتراكات في إطار تنفيذ خطط الإنتاج والتسويق والتي تشمل التنوع الثقافي والجغرافي لتحقيق أكبر تغطية وإختراق لجميع الأسواق على سطح هذا الكوكب.  لذلك نرى برامج متشابهة من شتى الجنسيات وشتى اللغات وشتى المناطق الجغرافية. ولذلك أيضاً نرى أن هذا المسلسل في تأليفة ونصه وإنتاجه وإخراجه كان خليطاً هندياً، كندياً، لبنانياً، أردنياً، بالإضافة إلى جنسيات أخرى.
من الناحية الدرامية أعتقد أن مسلسل "جنّ" لا يستحق النقد الدرامي العميق وهو أصلاً لايطمح لذلك، تماماً كبقية هذه المسلسلات الفصلية الموجة لهذه الفئة العمرية.
أما من ناحية الأداء التمثيلي، لاشك بأن هناك مواهب محلية يافعة أتقنت الأدوار بتلقائية وجمالية وإن لم تسعفها ركاكة النص، ولم يكن لهذه المواهب أن تحظى بهذه الخبرة والظهور العالمي إن لم يكن في مثل هذا الإنتاج من نت فليكس. أتوقع لعدد منهم نجاحات متميزة في المستقبل إن حظوا بالفرص المناسبة.  

لعل ما أصابنا من فزع بعد مشاهدة هذا المسلسل، أو بعد السماع عنه في أغلب الحالات، كان بسبب إكتشافنا المفاجئ بأن الجن راكبنا منذ الأزل لكنه لم يتبدى لنا إلا عندما تقمص شخصياتنا وحمل أسمائنا وتكلم بلغتنا ولهجتنا المحلية ليضعنا عنوة أمام أنفسنا لندرك مدى الإنفصام الذي نعيش فيه.  فمن أصابه الهلع من سماع بعض الكلمات النابية على شاشة التلفزيون باللغة العربية للمرة الأولى عليه أن يراجع مخزونه اللغوي الخاص ومحاولة إحصاء آلاف المرات التي إستخدم فيها نفس هذه الألفاظ مع أصدقاءه أو أثناء قيادة السيارة أو خلال مشادة كلامية أو مزاح في مكان العمل أو حتى في المنزل. كذلك الأمر لمن هاله مشاهدة ثلاث قبلات، فله أن يتذكر عدد القبلات والأحضان والمشاهد الساخنة في كل الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والتي غالباً ما يشاهدها مع أفراد العائلة مجتمعين وخصوصاً خلال شهر رمضان المبارك.
أما من يعتقد بضرورة نصب المشانق لكل من شارك أو ساهم في إنتاج أو عرض هذا البرنامج فأقول، جن اللي يركبك ويركبة.  شوفولكم سيرة ثانية.

صباح الخير في الليل، وجمعة مباركة على الجميع. 

كميل حلمي 


الخميس، 28 ديسمبر 2017

عن التواصل الإجتماعي

لا أشك في أهمية بعض القنوات مثل فيسبوك وواتس آب وتويتر وغيرهالكن هناك لُبْسٌ قد يكون وليد للفوضى أو لعدم التدقيقبعضنا إنطلى عليه ذلك اللُّبْس وبعضنا مازال يحتفظ به كغصّة في الحلقيكمن ذلك اللُّبْس في التعريف وفي التطبيق
فقنوات التواصل الإجتماعي كما نسميها ليست من الإجتماعية بشيء، بل هي في التطبيق نقيض لذلك التعريففبسبب تلك القنوات إنعدم التواصل الشخصي المباشر، وبات من الكافي طباعة بعض الكلمات أو نشر بعض الصور أو المقاطع وبثها على الملأ، أو لمجموعة إفتراضية ما، بإنتظار حصاد الإعجاب والإبتسامات والقبلات الإفتراضية أو التصفيقوبات من البديهي بأنه أو بأنها أو بأنني قد بَلّغْت وصار لزاماً على من بُلِّغَ أو حتى من فاته التبليغ أن يكتفي بذلك كدليل على إستمرار التواصل والمحبة، أصاب ذلك أم لم يصبوبات على الطرف الأول أيضاً الإكتفاء بالإموجي كرَدّ كاف على ذلك التواصل الإفتراضي.
ضجرت من تلك الطقوس اليومية المتكرره حد الهوس في التنقل بين كل تلك المجموعات وبين كل تلك الصفحات في البحث لاهثاً عن رسالة أو عن بضع كلمات ربما تكون قد وجّهت لي شخصياً من عزيز أو من قريبسئمت من هذا الكمّ الهائل من الضجيج والتلوث بحثاً عن لاشيء أو عن صديق إفتراضي غير موجودأينما هرولت تعثرت بنكتة سمجة أو بصورة وقحة، وكلما إستعدت مسيري إصطدمت بحائط ملوث بكل أصناف القيء والبرازألتقط أنفاسي قليلاً لأبدأ الهرولة من جديديا لهذا البؤس، يا لهذا الضياع.  
ربما علينا تسمية الأشياء بأسمائها وإعادة الإعتبار للتواصل الإجتماعي، للتواصل الإنساني، للتواصل الشخصي. لنكف عن تسمية هذه القنوات بقنوات التواصل الإجتماعي، ولنعطها إسمها الحقيقي وهو قنوات التواصل الجماعي وليس الإجتماعي، ولتبقى كذلك بكل سرور لمن أراد وكيفما أراد، منبراً شخصياً للأحقاد، بوقاً إعلامياً للسفاهات، معرضاً شخصياً للطوابع واللوحات، أو حتى مرتعاً لعلاقات هلامية بلا ملامح وبلا صفاتلكن ليعد التواصل الشخصي بما يحمل من حميمية وصدق للعلاقات الإنسانية.  

لذلك ومن الآن سوف أبدأ بالإنسحاب تباعاً من بعض المجموعات الإفتراضية التي ضلّت هدفها، مع ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للتواصل الشخصي وليس الجماعي، سواءاً من خلال تلك القنوات الإخوات أو من خلال قنوات وطرق بدائية عفى عليها الزمن مثل الموبايل أو الإيميل أو حتى سكايب.

كميل حلمي
عمّان، 28 كانون الأول 2017 

الثلاثاء، 12 يناير 2016

مستشفى

حركة صاخبة من الدخول والخروج. يخال لك أن  أفواج المراجعين هم في الحقيقة أفواج مصابين قادمين من ساحة حرب دائرة في مكان ما. قد تكون احدى معاركها على بعد خطوات من بهو الإستقبال، ومعارك أخرى لها دائرة هنا في ذات الزمان والمكان.  
هناك من هم قادمون من ساحات حرب بعيدة. يمكن التيقن من لهجاتهم وهيئآتهم الغريبة.  هناك من هم قادمون من هذا المكان ومن ذاك المكان ومن كل مكان. 
وجوه عابسة في معظمها، ونظرات تائهه في أحسن الأحوال.  منهم من تظن أنه على عجل لتضميد جرح أو جِراح، ليتمكن من العودة مجدداً للعراك.  منهم من هو فرح بالإستسلام، ومنهم من لا يطيق عودة الى سِجال.  ربما فقد الأمل بتحقيق أي إنتصار، أو ربما كانت جُلّ معاركه صراع من أجل البقاء، مجرد بقاء.  هناك من أدرك عبثية المعركة الدائرة هناك، مع ذلك يبدو فزعاً من إحتمال عجز أو طول إحتضار.  
هناك من يبدو معافى إلا من يأسٍ، وهناك من يقتنص وقتاً للإنكفاء. 
هناك أيضاً أفواج برسم الولادة في كل مكان، وأفواج تغادر الأرحام لتلتحق بحرب جديدة هنا وحرب هناك.  
في بهو الإنتظار هناك مقاعد لمرضى ومصابين، و كراسي إنتظار لملائكة تقبض الأرواح، وأخرى لمكفّنين يقتاتون على ما تبقى من الأجساد.
هناك من يحصي الحسنات ومن يحصي السيئات، وهناك أيضاً من لا يفقه شيئاً في الحساب.   
سُعال وحشرجة وضحك وبكاء، وأحاديث جانبية عن داءٍ ودواء، لكن لاشيء يذكر أو يقال عن هذا العبث وهذا الهراء. 
 
كميل حلمي
عمان - كانون الثاني ٢٠١٦

ملاحظة مهمة:  الرجاء الإطمئنان. كل شيء تمام التمام، كل ما هنالك هو تداعيات عبثية من وحي المكان والزمان.

الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

شرفة الهاوية


لقارئ متواضع أو موسمي، لم تكن الأعمال الروائية الأولى لإبراهيم نصرالله سهلة الهضم أو حتى ممتعة للقراءة، وإن إمتازت دائماً بعمق المضمون، فقد كانت مليئة بالرموز والألغاز وحتى الطلاسم في بعض الأحيان.  لكن تطوراً ملحوظاً قد طرأ على أعماله الروائية الحديثة خلال السنوات الماضية جعل كل عمل جديد يتفوق على سابقه في جمالية الأسلوب والتفرد، والإنسياب الشعري للأحداث والشخصيات، وكذلك في رشاقة اللغة ورقيها.
شرفة الهاوية، في أسلوبها السهل الممتنع، والممتع في آن، هي تتويج لحرفية عالية في تطويع أساليب الرواية المختلفة لخدمة الموضوع الرئيسي في العمل الروائي.  فبجانب عذوبة الأسلوب وقربه من القارئ البسيط، إمتلأت الرواية بالعمق الإنساني والتشريح الثقافي والسياسي لخصوصية المجتمع الأردني، والذي وأن تشابه مع بعض المجتمعات العربية الأخرى إلا أنه يحتفظ ببعض الخصوصية في التركيبة السكانية وتجلياتها في العلاقة ما بين السلطة وفئات المجتمع المختلفة كما أشار لها الكاتب في عدة محاور رئيسية في الرواية.
لم يفت نصرالله أن ينبه القارئ منذ البداية، في أسلوب ذكي ومباشر وفي سياق أحداث الرواية ذاتها، إلى عدم أخذ هذا العمل الأدبي بسطحيه مباشرة، والتي حتى وإن إكتفى بها القارئ البسيط فلن تنقص العمل جماليته وقيمته الأدبية.  فقد نبه القارئ إلى التمعن في الشخصيات والأحداث لإستنباط المعنى الحقيقي والعميق للعمل الفني والإنعكاس الفلسفي والسياسي لهذا العمل، فلا شيء يوضع في العمل الفني أو الأدبي إلا ويكون له وزنه ومعناه.   ولهذه وتلك شهادة غير مشكوك بها في جميع أعمال إبراهيم نصرالله منذ أعماله الأولى المغرقة في الرمزية، مروراً بالشرفات، إلى تطور الأسلوب الملحمي الإبداعي في أعمال الملهاة الفلسطينية، وصولاً إلى السهل الممتنع والممتع في شرفة الهاوية.  فقد إقتصرت هذه الرواية على ثلاثة شخصيات رئيسية وبعض الشخصيات الثانوية، والتي بضئالة دورها كانت مكلمة ضرورية وأساسية لتماسك الأحداث ودلالاتها الإجتماعية والسياسية لتشكل في مجملها رؤوية نقدية عميقة للواقع الإجتماعي والسياسي للوطن الأردني خلال ثلاثين عاماً.
لم يكتفي إبراهيم نصرالله بتقديم عمل أدبي راق، بخصوصية محلية، وإنما إستخدم هذا العمل كأطروحة لدراسة ذهنية السلطة أينما كانت، وديناميكية العلاقة بينها وبين مجتمعاتها في سياق تجديدها المستمر لذاتها، وكذلك الأمر في دراسة أزمة النخب السياسية والثقافية لهذه المجتمعات، ورفدها الطوعي لأسباب بقاء وتجدد هذه السلطة أو تلك وإن إمتلأت فساداً وقمعاً.  
عمل إبداعي من الدرجة الأولى، يضاف إلى باقة لاتقل إبداعاً من أعمال سابقة لأديب عالمي، في أسلوب سلس إقترب من القارئ البسيط ومفردات الحياة العمّانية اليومية، ليضع القارئ على بعد خطوات من شرفة الهاوية.

كميل حلمي 

الخميس، 22 أغسطس 2013

خواطر ليست عابرة


في الربيع العربي
مسرحية كوميديا سوداء تعيشها الجماهير من المحيط إلى الخليج، وتلعب فيها دور البطولة والمشاهد في آن.  أما المؤلف والمخرج فهما في مكان ما، يرقبون الإبداع ويتباحثون في إعادة العرض مراراً وتكراراً مع تعديل بسيط على السيناريو هنا وهناك، ليلائم رغبة الجمهور الممثل، وخصوصية الزمان والمكان، وموهبة الممثلين.  
يا لها من موهبة. لا شك بأننا أبدعنا في التمثيل ... أبدعنا التمثيل في بعضنا البعض! 

في تعريف الوطن
لا أستطيع توصيف الوطن بشىء مطلق. فالوطن نسبي ككثير من الأشياء التي إعتقدنا طويلاً إنها حتمية وثابتة. علاقتك بالوطن قد تكون في بعض الأحيان علاقة حب من طرف واحد، أو حتى علاقة كره متبادل عندما يقتل الوطن أبناءه، أو عندما يقتتل أبناء الوطن الواحد.  الوطن هو الأهل والأصدقاء، هو الذكريات، هو الأشجار والطرقات، هو إختلاس قبلة في لحظة عابرة، هو محصلة تجارب فاشلة ومشاريع أحلام لم نغفوا طويلاً لنحققها. الوطن هو الهواجس والأشباح التي تسكنك أينما ذهبت. 
الوطن هو أنتَ ... وأنتَ منذ الآن، غيرك.

في تعريف العدو
الشعب الفلسطيني شعب محظوظ جداً. إحمدوا ربكم يا جماعة على النعمة اللّي عندكم. مش سهل مين مكان يلاقي عدّو حقيقي هالأيام.  وإسمعوها نصيحة، اللّي عندو عدّو حقيقي لايفرط فيه ... على الأقل لغاية ما تمر المربعانية العربية على خير، وبعديها الله بفرجها. حبيتوا تخلّوا عدوكم زي ما هوّ، ممكن ... حبيتوا تفاوضوه برضه خير وبركه. الناس غيركم عم تدوّر على الأعداء ومش لاقيين. عم يخلقوا أعدائهم من أهلهم وقرايبهم وأصحابهم، وهات يا دبح وهات يا قتل بس منشأن الله خلّينا أعداء. 
لا تجحدوا بالنعمة اللّي غيركم حاسدكم عليها وبعديها تقولوا يا ريت اللي كان.


في الوطنية والإيمان
خط رفيع يفصل ما بين الكبرياء والوطنية والإيمان، وما بين العنصرية والظلامية وإزدراء الآخر.  تحمسنا الأهوج تجاه الصفات الأولى يدفع البعض للإنزلاق تلقائياً نحو الثانية … مع الجهل وفوضى الممارسة يختفي الفرق بين الأثنين.


في الملائكة والشياطين
لو رفضنا مقولة أن الأنظمة الحكامة هي محصلة طبيعية لشعوبها بناءاً على نظرية الإنتخاب الطبيعي، ولو إفترضنا أن الحكام هم مخلوقات فضائية هبطت من السماء على شعوب من الملائكة.  لو إفترضنا ذلك، كيف نفسر  إلتفاف الملائكة حول قيادة من الشياطين، وكيف نفسر مبايعتها لهم بالروح والدم من أجل القضاء على ملائكة أخر، وزج بعضهم الآخر في سجيل.  أليست الملائكة ملائكة، والشياطين شياطين؟ أم أنهم وجهان لذهنية واحدة؟

في رثاء الكلمة والقلم
فقدت الكلمات رونقها عندما توقفنا عن كتابتها.  غدت حروفها بلا ملامح ولا أنغام عندما هُجِّرت قسراً من سهول موطنها، من أوراق دفاترها إلى زنازين من زجاج.  لم تعد تنبض بحبرها بعد أن غدت وليدة خلاسية للوحة مفاتيح. سبية أصبحت بعد أن أغتيل أباها القلم، وبعد أن جفت دماؤه وتُرك للذكريات.


في الخرفان والثيران
أكلت يوم أكل الثور الأبيض... كل واحد يعربها بفصاحته اللغوية. أنا شخصياً أعتقد أنها ممنوعة من الصرف في سوق المواشي، وعصية على العقل العربي  وبكره العيد وبنعيد وبنذبح بقرة السيّد... أما السعيد بذبح البقرة، ليعلم جيداً أن ذبح الخراف لن يتوقف بعدها.



كميل حلمي

الجمعة، 5 يوليو 2013

عن معاركنا الحديثة ... والقديمة


هل إنتشار الأحقاد على إمتداد الخريطة العربية بمختلف أشكالها الطائفية والجهوية والقبلية والسياسية هو وليد تراكمات موضوعية بلغت حد الإنفجار، أم أن هناك أسباب أخرى؟  هل هي الحتمية التاريخية  للصدام بين الأضاد بعد أن نضجت وتهيأت الظروف والأسباب؟ أم إنها ولادات متعسرة لأجنة غير مكتملة النمو تشوهت في رحم الأدمغة حتى قبل الولادة؟
هذا المقال هو محاولة للإجابة على بعض من تلك الأسئلة أو على الأقل محاولة لتفحص الموضوع من جوانب جديدة. 
لست هنا بصدد الخوض بتفاصل تلك النعرات، ولا بصدد الدفاع عن بعضها أو مهاجمة بعضها الآخر، وإنما هي محاولة لفهم سبب هذا الغليان المنذر بإنفجارات عنقودية مبشرة بمتوالية لانهائية من الفتن.
في العديد من الأزمات الراهنه، لا أعتقد أن ما يحدث من تأجيج وتحريض طائفي وقبلي وسياسي بهذا الزخم الهائل هو شيء طارئ أو وليد اللحظة الراهنة أو له ما يبرره من مستجدات موضوعية، وإنما تلك المستجدات هي في ذاتها نتاج طبيعي للتكثييف والتضخيم الهائل من التحريض والتحريض المضاد.  
أكاد أجزم أن كره الآخر كان وما زال موجوداً في الموروث الثقافي والإجتماعي ولم ينقطع أبداً، وعلى مختلف الصعد، سياسياً كان أم قبلياً أم طائفياً.  لنكن صريحين هنا، فنظرة الشك والتوجس والكره إلى حد العداء هي أساس الخلل البنيوي في نظرتنا إلى الآخر، سواءاً كان هذا الآخر هو إبن قبيلة أخرى، أو دين آخر، أو طائفة أخرى، أو طبقة إجتماعية أخرى، أو حزب سياسي آخر.  فنظرتنا دائماً متعالية تجاه من لايشاركنا جماعتنا المرجعية ويدين بها وبموروثها، أو بالأحرى فإن نظرتنا دونية يشوبها الشك والإتهام بل والإحتقار لمن هم غيرنا.  كنا ومازلنا نمارس ذلك ضمن إطار جماعاتنا الناظمة الضيقة، كالعائلة، القبيلة، الطائفة، الحزب السياسي، إلخ، وذلك من خلال الثقافة السائدة  المحصورة بذلك الإطار، وقلما كانت تلك الكراهية تعلن صراحة على الملأ خارج ذلك الإطار وبهذا الوضوح وتلك الفجاجة، بإستثناء حالات محصورة ومعزولة.
للإختصار اللغوي والموضوعي يمكننا إختزال كل تلك الأوصاف سابقة الذكر بعبارة واحدة فقط، هي العنصرية المقنعة تجاه الآخر.  يمكننا تسميتها ما نشاء أو تجميلها أو تبريرها، أو إيجاد السند لها، ولكنها تبقى هي العنصرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.  
إذن فالخلل هو خلل بنيوي في نظرتنا خارج إطار أنفسنا، هو خلل بنيوي لم يستطع الكثير منا الإنتباه إلى مدى خطورته أو محاولة تصحيحه لتقبل الآخر على قاعدة المساواة والإحترام وتقاسم الحقيقة مع إختلاف وجهات النظر.  هذا يرجع إلى النرجسية المطلقة والنفاق مع الذات وكذلك بسبب الولاءات المتعددة التي في مجملها تقع دون مستوى الولاء الجامع والشامل لوطن واحد وقانون واحد يخضع له الجميع ويتساوون تحت ظله مع إختلاف مشاربهم ومعتقداتهم.
ذلك جانب واحد من هذه الظاهرة، أما الجانب الآخر فهو إنتشار هذه العنصرية إلى درجة التأزيم والإحتقان والإنفجار، وهذا يرجع في إعتقادي إلى الإعلام الحديث بشقية الفضائي والإجتماعي.  أما الإعلام الفضائي فهو بيد القلة القيادية ومن يمولهم في سياق المصالح المتقاطعة حيناً والمتضاربة أحياناً، وقد تم التعرض لهذا الإعلام ودوره التحريضي من خلال العديد من المقالات والحوارات، أما الشق الآخر المرتبط بالأفراد والمجاميع فهو الإعلام الإجتماعي من فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب وغيرها، بالإضافة إلى وسائط التعاطي مع هذا الإعلام من هواتف ذكية ولوحية حديثة لم تكن متوفرة من قبل بهذا الإنتشار وهذه التقنية المتقدمة.   
إن نظرة سريعة إلى صفحات الفيسبوك أو قراءة لتغريدات تويتر تعكس وتفضح التشوه الحاصل في البناء العقلي والأخلاقي والقيمي على إمتداد الخريطة العربية، وتعكس الهوس بإزدراء الآخر و شيطنته على الملأ.  فلا تكاد تمر دقيقة واحدة على الفيسبوك أو تويتر حتى ترى مادة عنصرية جديدة، سواءاً على شكل تعليق بذيء أو نشرٍ لمقطع فيديو لمهووس أحمق يجتر الماضي السحيق ويعيد إنتاجه، أو صورة تم تزييفها برداءة تحرض أو تزدري الآخر، أو تخويف وترهيب، أو نذير ووعيد.
إن نشر تلك السفاهات وإعادة نشرها والإعجاب بها بتلك الكثافة وهذا الإنتشار هو أشبه بإحتفال هستيري يرافقه إطلاقٍ لأعيرة نارية وقنابل عنقودية عشوائية، تصيب من تصيب وتجرح من تجرح، دون إكتراث بالأضرار الفادحة والدمار الحاصل، والدمار القادم بسبب عنصرية مسكونة بخرافة الأنا وضرورة الإنتصار على الآخر وتدميره من أجل غدٍ أفضل! 
إن إمكانية النشر الفوري المتاح للجميع بسهولة غير مسبوقة أدى إلى إنتشار الأحقاد وتأزيمها حتى أصبح الإعلام الإجتماعي ساحة حرب إفتراضية ومنصة تدريب وتهيئة لحرب حقيقية لا تلبث أن تنتقل إلى أرض الواقع في مختلف الميادين. 
أعتقد أسفاً أننا مازلنا نحمل عقليات جاهلية قديمة لم تتغير ولم تنشأ حديثاً، وإنما وجدت فرصة الإنتشار السريع وفضح ذاتها المشوهة.  أعتقد أننا فشلنا حتى الآن في مواكبة التطور الإنساني وإن كنا من رواد إستخدام وإستهلاك أدواته الحديثة.  أعتقد أن داحس والغبراء مازالت تسكننا، ولم يهدأ ثأرنا منذ ذلك الحين.

كميل حلمي
٥ يوليو ٢٠١٣

الأحد، 23 يونيو 2013

إحتفالية سوناتا القمر


في الأمس إقترب القمر من غزة وأنار شواطئها.  توقف قليلاً  فوق بيروت وأسرع نحو الناصرة.  فوق رام الله والخليل، نابلس والقدس، إحتفل طوال الليل مع عشاق كانوا قد قرروا السهر... إحتفاءاً بالقمر، وإحتفاءاً  بالفرح، كنوعٍ من التغيير ليس إلا، وكسرٍ لرتابة حصار طال وإستمر.
ليست مصادفة أن يقترب القمر من الأرض مرة كل عام، في زيارة فريدة.  ربما ليضيء قلوباً تعودت على الحزن وعلى وداع الشهداء.  ربما ليحتفي بشعب تعود على الحداد ولم تحالفه الحياة فرصة الإحتفال.  ربما تواطأ القمر مع ستون مليون عاشق، سكنوا خريطةً إمتدت من محيط إلى خليج. ربما إحتفالاً  منهم بالغناء، أو ربما هدية لشعب تعود الرحيل قبل الإحتفال، في خضم إنشغاله الدائم مع الحجر. 

كميل حلمي، في ليلة إقتراب القمر
٢٣ يونيو ٢٠١٣

السبت، 22 ديسمبر 2012

نهاية العالم جانجام ستايل


أول الانطباعات عند وصولي عمان لقضاء اجازة قصيرة، قبل يوم واحد من الموعد المقرر لنهاية العالم في ٢١ ديسمبر ٢٠١٢ حسب تقويم حضارة المايا.  بداية درامية موفقة للحدث.
على الارض رياح زمهرير شديدة البروده مثيره للغبار، وزوابع متفرقه على جانبي طريق المطار أخذت شكل حوّامات تحمل أتربه واكياس نايلون بألوان واشكال متعددة، إضافةً الى اجسام اخرى غريبة. في السماء غيوم سوداء مكفهرة مسرعة واخرى متلبده مجهولة اللون بدت في ترصد وحيرة من امرها، هل تسقط المطر أم تقرر إسقاط القذائف أو مزيداً من الاتربه أو أي شي آخر. في الشارع، إكتظاظ ملحوظ لمركبات متعددة يصعب تمييز موديلاتها بسبب اكتساءها جميعاً بالوحول والأتربة الملتصقة بفعل أمطار فائتة. لم يكن هناك تجمع للمياه او سبخات على جوانب الطريق، كانت الارض في حالة جفاف مقشعر، ربما بفعل الرياح العاتية او ربما لعطش الارض الشره للمياه. 
إتصلت زوجتي للاطمئنان حيث أفادت ان السماء قد إنشقت في خلدا وبدأت بإطلاق البَرَد وان الأرض قد فاضت بالسيول وكادت حبات البرد المتجمد ان تفتك بزجاج النوافذ والمركبات.
لم يكن الامر كذلك على بعد كيلومترين من خلدا في شارع عبدالله غوشة.  لا أمطار ولاسيول، كان الشارع مزدحم كعادته، الأشخاص على جانبي الطريق في حالة ارتباك ظاهر، بعضهم قد تأبط بعض الحاجيات وآخرون قد تلفحوا بمعاطف ثقيلة يتقافزون على عجل في عدة اتجاهات فيما بدا كأنه طواف أخير لشراء التموين استعداداً لنهايةٍ قد تطول. احدهم اندفع فجأة امام المركبة حتى كدنا ان نصدمه، كان قد اخفى يديه في معطف عسكري قديم وسار مسرعاً في حركة متشنجة جعلت كتفيه مرتفعين وملتصقين بلثام رأسه الذي غطى جل وجهه الا فتحةً صغيرة للعينين وشق آخر امتدت منه سيجارة مشتعلة. رمقنا بنظرة احتجاج واستياء وتمايلت السيجارة صعوداً وهبوطاً بحركة تشي بتلفظه ببعض الكلمات. قفز كبهلوان الى الجانب الآخر من الطريق والذي كان اكثر ازدحاماً وصخباً بسبب المركبات المتوقفة على جانب الطريق ومركبة اخرى متوقفة في وضع مزدوج لم تترك من الشارع الا مسرباً واحداً للعبور. عندها فقط أخرج يده اليسرى من جيبه وفتح باب تلك المركبة واندس داخلها وسط صخب من التزمير. 
كانت الأمطار قد توقفت في خلدا ولم يبقى إلا أنهر جارفة من المياه والوحول تخترق الشوارع. عند وصولي الى البناية حيث اسكن كان احد الجيران قد قرر ان يحتفظ بزينة العودة من الحج منسدلة من الطابق الثاني ومتطايرة بعنف بفعل الرياح. باب البناية مشرع كالعادة بسبب خلل بنيوي في هندسة البوابة فشلت جميع المحاولات لإصلاحه. تلك الرائحة الشتوية المألوفة المنبعثة من قبو البناية تعطي شعوراً بالحمد والارتياح بأن السكان اوعلى الأقل بعضهم مازال يستخدم السولار كوقود للتدفئة، غير ان الرائحة مختلفة قليلا عما اعتدت واكثر خنقاً، ربما بسبب سولار اقل جودة عما كان متوفراً في سنين مضت. 
المصابيح الداخلية لمصعد البناية لاتعمل... لابأس فالمصعد مازال يعمل ويمكن تصليح الإنارة فتكلفتها قليلة، او ربما لاداعي لإصلاحها اساساً فنهاية العالم قائمة. زينة العودة من الحج كانت قد وصلت الى باب شقتي وصولاً من الشقة المقابلة. ايضاً لا بأس، فالأجدر بي ان ازور جاري العزيز لتقديم التهاني فموسم الحج كان قد انقضى منذ شهرين او اكثر.
في المساء زادت شدة الرياح وهطول الأمطار ورعدت السماء في دليل آخر على بدء النهاية. صباحاً كان الهدوء يعم المكان وانقضت ساعتان بنفس الهدوء المريب. لم يكن يقطع هذا الهدوء أي صوت ولا أية حركة في الشارع، حتى صوت سيارة توزيع الغاز الذي اعتدناه لسنوات اختفى اختفاءاً تاماً.  لا شك بأن هذا دليل قطعي على نهاية العالم، على الأقل في عمّان. التلفاز لايعمل ربما بسبب عطل بلاقط الستيلايت، او ربما تعطلت جميع الأقمار الصناعية او سقطت على الارض، او تم ابتلاعها من قبل ثقب اسود قد اقترب لابتلاع الكوكب. بدأت بعض الاصوات تتعالى في الافق، اصغيت السمع، كان صوتاً آدمياً في مكبرات للصوت، لعله خطيب المسجد القريب، قبل آذان الجمعة اوبعده لست متأكداً، كان يخطب بأعلى صوته بحزم واصرار كمن ينادي للنفير العام. لم استطع تمييز الكلمات حيث مالبث خطيب المسجد المجاور ان بدأ بدوره، ولحقه آخر. انه النفير العام لاشك. انها المعركة الختامية، أرماجيدون على الأرجح. بدأت قشعريرة تسري في جسدي، لقد فات الأوان، نجى من نجى وهلك من هلك. لم استطع ان احدد حقيقة شعوري، فأنا لست قلقاً من نهاية العالم، أنا في الحقيقة قلق من استمراره على هذه الحال. 
مضت ساعتان، توقف المطر وانقشعت الغيوم. قررت الخروج من البيت، فتحت مذياع السيارة ابحث عن اية اخبار تفيد بحالة العالم.  لم ينته العالم في الولايات المتحده فإذاعة "سوا" مازالت تبث سوا تشات، واذاعة البي بي سي مازالت تبث من لندن، ولاشك ان الجزيرة ما زالت تبث من الدوحة. استقريت على اذاعة إف إم محلية، كانت تبث أغنية جانجام ستايل. 
لم ينتهي العالم. العالم مستمر ... ولكن بطريقة جانجام ستايل.

كميل حلمي. 
عمّان، بعد النهاية بقليل.


الخميس، 4 أغسطس 2011

في حضرة الغياب



قد لايكون من الإنصاف أو الموضوعية التعرض النقدي لعمل درامي تلفزيوني من خلال الحكم على أول ثلاث حلقات من أصل ثلاثين أو أكثر.  لكن ما يدفعني لعدم الموضوعية هو إستحالة الحيادية، وذلك لخصوصية الشخصية موضوع المقال.

مع كل التقدير لنخبة الفنانين من ممثلين وممثلات ولحسن نواياهم في إنجاز هذا العمل، فإنه من المؤسف أن يرتبط إسم محمود درويش بهذه الصورة الباهتة في ذهن من لم يعرفوه ولم يقرؤوه.  واللوم هنا يقع على المخرج نجدة أنزور لإختياره الخاطىء للموضوع أولاً وللممثل الرئيسي فراس إبراهيم ثانياً.  ليس إنتقاصاً من قدرة الفنان إبراهيم التمثيلية، ولكن لمحدودية البنية الجسدية وكذلك التعبيرية فيما يتعلق بقدرته على تقمص شخصية وجدانية عملاقة كشخصية محمود درويش، هذا إذا إفترضنا جدلاً أن حياة درويش قابلة للعرض تلفزيونياً في المقام الأول.  فالبنية الجسدية للممثل لا تتناسب مع قامة درويش المشدودة، وكذلك تعبيرات وجهه الطفولية لا تتناسب مع ثبات الملامح وجديتها على مُحيا درويش. هذا فيما يتعلق بتصوير الشخصية.
أما إختيار الموضوع فأعتقد أن سيرة حياة درويش لا تصلح بحد ذاتها كعمل قصصي، فهي قد لاتختلف عن حياة أي فرد عادي في تفاصيلها اليومية. ولا يمكن تقديم محمود درويش بقيمته الفكرية والأدبية من خلال بعض القصص والمواقف، فحياته ليست قصة حب مشتعلة، ولا معارك بطولية، ولا مطاردات نسائية.  حياته هي نصوص فلسفية لا يمكن سردها ضمن حدّوتة تلفزيونية حتى وإن تخللتها مشاهد عاطفية ممتلئة بقبلات وأحضان جريئة.   
لم يكن درويش شخصية سطحية ولا هلاميه تتمايل وتترنح في رومانسية مراهقة، ولم يكن يطلق إبتسامات بلهاء طفولية.   محمود درويش كان نبياً لشعب ضُرب عليه التيه ستون عاماً، كان رسولاً مخولاً لفضح مهزلة الزمان وتحدّيها، كان ناطقاً رسمياً بإسم الحجر وشجر الصنوبر وأحلام تناثرت وسحقت تحت أقدام الغزاة، كان جاراً للمسيح، كان حوارياً بعث من زمن بعيد، كان حبراً، وكان صوتاً يسكن شعباً ويقض مضجعه. 
عند التطرق لهكذا شخصية لا يوجد مكان للمجامله ولا تقبل المساومة.  لا يمكن إختزال محمود درويش في دراما تشويقية تتخللها الإعلانات التلفزيونية.  محمود درويش ليس قصة حياه، محمود درويش هو فلسفة حياه، هو تعاليم كنعانية جائت من كتاب ضائع، كتاب شعب تمت مصادرته، كتابٌ عَكَفَ عليه الكهنة تزويراً وتحريفاً وبهتاناً، فتحول إلى ملهاة.  محمود جاء مبشراً ومخلصاً لشعب أثقلته المصائب، لشعب أرهقه التيه والضياع فعَبدَ عِجلاً بدلاً من إله.   
لايمكننا التطرق بنقد موضوعي لمحاولة تزوير، حتى مع حُسن النوايا ودقة التوثيق، فشخص محمود هو ملكٌ لشعبٍ في أرضه وشتاته.  هو تاريخٌ ونبوئةٌ مستقبلية تم توثيقه في دَواوين وكُتب، من أراد معرفته فسبيله الوحيد هو قراءته والتوجع في دراسته، وليس مشاهدته للترفيه. 
"يا أيها المتفرجون، تناثروا في الصمت،
وإبتعدوا قليلاً عنه كي تجدوه فيكم، حنطة ويدين عاريتين،
وابتعدوا قليلاً عنه كي يتلو وصيته، على الموتى إذا ماتوا،
وكي يرمي ملامحه على الأحياء إن عاشوا."
محمود جاء شاعراً فيلسوفاً يدعو شعبه لهجر مراقده، للتأمل، للتفكر، للتحليق، ليس مع أسراب السنونو فحسب، بل كطائر فينيق، يصحو من تحت الرماد فيلفظ ناراً في وجه الغزاة.  لذلك نرجوكم ونرجوكم، 
"لا تسرقوه من السنونو، لا تأخذوه من الندى، 
لا تسرقوه من الأبد وتبعثروه على الصليب، 
فهو الخريطة والجسد، وهو إشتعال العندليب."

كميل حلمي 04/08/2011


السبت، 2 يوليو 2011

صديقي القوّتْجي


كنت قد أشرت سابقاً إلى حنين دائم لغرائز بدائية تسكننا وتتجلى في سلوكنا اليومي بشكل مبطن، أو بشكل مُقَنَّعْ.  لا مجال هنا لتعداد جميع تلك الغرائز، فهي كثيرة.  لكن لعل أكثر تلك الغرائز تجليا ًهي رغبتنا الدائمة بتحقيق إنتصارات وهمية أو حقيقية على الخصم، أي خصم.  حتى وإن لم يكن هناك خصم، نقوم بإختلاق ذلك الخصم وإعطائه صفات وأشكال متخيلة من رصيد غرائزنا البدائية، ومن ثم نقوم بإسقاط ذلك الخصم الإفتراضي بملامحه وسلوكياته الإفتراضية على شخص نعرفه أو مجموعة من الأشخاص، ليكتمل عندها خلق الخصوم من العدم وتحويلهم إلى شخوص حقيقية لها صفات وأسماء تعيش في واقعنا المحسوس.  ومن هنا وقد تهيأت شروط المواجهة بحضور الخصوم وجميع مبررات القتال، تبدأ معاركنا الدونكشوتية.  ولا تنتهي بوقوع الخصم أو إيذائه، بل تبدأ بعدئذ مرحلة أخرى ألذُ وأشهى، وهي مرحلة الإيغال في الإنتقام من الخصم بسبب تجرئه، أو بالأحرى بسبب تجرئنا، على تخيل عدوانيته الهمجية وتهديده لنا ولمصالحنا وأنانيتنا المطلقة.  وعند إنتهاء المعركة، تبدأ معركة أخرى، وتلك معركة الخصم للإنتقام منا.
عن هذه وعن تلك، يحضرني نموذج لأحد المقربين المتمرسين في "البزنس".  كيفين لوماكس، له من فنون القتال ما لا أمتلك عُشْره، وله أيضاً من أساليب المراوغة والخداع (عُذراً صديقي) ما لم أجده حتى في الكتاب الأسود.  نختلف سياسياً إلى أبعد الحدود، ونختلف أكثر في أساليب العمل المهني.  أنا أطبق ما أعتقد أنه قواعد مهنية، بينما هو يطبق قواعده الأفعوانية للنيل من الخصم، العميل أو الزبون في هذه الحالة، ولاينتهي الأمر عند العميل، بل يمتد غالباً لزملاء العمل وذلك لإفتراس الطريدة بشكل منفرد.
لم يحتدم الخلاف بيننا ولم نصطدم يوماً، حتى في نقاش أدق المواضيع السياسية حساسيةً، بل على العكس كانت دائماً تربطنا علاقة فريدة من المودة، ربما بسبب دماثةٍ نتبادلها أو ربما لتكامل النقيضين.  كذلك لم نخض معارك دونكشوتية مشتركة، ولكن كل منا راقبَ معارك الآخر عن بعد.  في خضم معركته الأخيرة والحاسمة، فاجأني بإعتراف فج حول نظرته لذاته.  إنه يدرك إزدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بذاته الشخصية.  هو يدرك أنانيته المفرطة في قراراته، حتى وإن تجاهل في ذلك رغبات أقرب الناس إليه، ومع ذلك لاينكر شهوة الإستمرار والنصر والإخضاع، وفي نفس الوقت يعيش ذلك الصراع الداخلي المرير حول مبدئية القرار.  نعم، مبدئية القرار.  
هو تراوده غواية الإرتقاء مع العِلم بالثمن الباهظ والنتائج، وكذلك تراوده غواية الإنسحاب مع العِلم بالثمن الباهظ والنتائج.  لم أتفاجئ من مدى تطابق ذلك مع صراعات لا نهائية أعيشها، أو على ما يبدو نعيشها جميعاً، كلٌ حسب مرجعياته المبدئية.  واقع الأمر أن كل منا يحمل غوايته في ذهنه، كلٍ منا يخلق شيطانه، كل منا يقدس أنانيته وذاته المطلقة.
إعتقدت طويلاً أننا مختلفان، كم كنت مخطئاً، كم نحن متشابهان.... بل كم نحن متشابهون.
أكنت أتحدث عن صديقي كيفين لوماكس أم عن جون ميلتون، أم ربما عن نفسي؟ أو علني قصدتُكَ أنتَ أو قصدتُكِ أنتِ، أم كنت أتحدث عنّا جميعاً؟  هل كل معاركنا معارك حقيقية أم دونكيشوتية؟  هل نسعى لإفتعال المعارك أم تفرض علينا؟  هل يمكننا البحث عن نقاط الإلتقاء بقليل من التواضع أم نستمر في ترسيخ الخلاف من أجل النصر والإخضاع.
طبعاً اسم صديقي الحقيقي ليس كيفين لوماكس، ولكن الاسم مستوحى من فيلم "محامي الشيطان" (Devil's Advocate) لألباتشينو وكينو ريفز، فالحالة هنا مشابهة إلى حدٍ ما، مع إختلاف في التفاصيل.  هل ينجح جون ميلتون في غوايته؟ هل يقبل كيفين الغواية أم يطلق الرصاص؟  هل هما شخص واحد؟ ربما نعرف غداً، أو ربما نستمر في الجهل.
جميعنا نخوض نفس المعارك. تختلف الأساليب، تتفق الدوافع، وتلتقي الغرائز. كلنا كيفين لوماكس وكلنا جون ميلتون. كلنا قديسون  يا أصدقائي، كلنا شياطين. 

كميل حلمي 02/07/2011