سيذكر التاريخ أنه في صبيحة يوم الجمعة الذي يتلو "هلا بالخميس" الموافق الرابع عشر من حزيران لسنة 2019 ميلادي، أصبح المواطنون في الأردن على صخب وضجيج وعويل ناجم عن مس من الجان من العيار الثقيل أصاب المواطنين بعد إستحضارهم عن طريق الخطأ أحد مردة الجن المعروف بإسم "نت فليكس".
بعد الإستعاذة من الشيطان قررت إستحضار هذا الجن لمعرفة ما أصاب الناس. لم يأخذ الأمر سوى بضع نقرات دون الحاجة لأي نوع من الطلاسم أو البخور، ليتلو ذلك أربع ساعات من المشاهدة التي لم تخلو من الإثارة والتشويق.
أولاً، مسلسل "جن" الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في الأردن ليس إنتاجاً أردنياً وإن شارك في إخراجة أحد المخرجين الأردنيين المهاجرين، وإن كان كل الممثلين والممثلات أردنيين. المسلسل هو إنتاج شركة نت فليكس العالمية ولا يمكن تحميله أية رسالة تربوية أو إجتماعية، ولم يراد منه أصلاً أن يعالج أية ظاهرة مجتمعية أردنية.
هذا المسلسل هو من نمط المسلسلات الموجة لفئة المشاهدين في عمر المراهقة ، ليس أردنياً فحسب بل عربياً وعالمياً في نفس الوقت، وهذه المسلسلات تمتلئ بها مكتبة نت فليكس وهي متشابهة ومتاحة للجميع.
يخضع إنتاج هذه البرامج لشروط سوق المشاهدة والإستهلاك التلفزيوني عالمياً، والتي من ضمنها عناصر الإثارة والترويج المرتبطة بالفئة المستهدفة من المشاهدين، وهذه شروط عامة عابرة للقارات والثقافات، أكان المنتج باللغة الهندية أو العربية أو السنسكريتية. من ضمن هذه الشروط الترويجية لهذه الفئة تندرج العلاقات العاطفية، الجنس، المخدرات، واللغة السوقية الدارجة بما تحمل من بذاءات، وكذلك الإثارة والتشويق والمغامرة.
شركة نت فليكس كما أسلفنا ليس من أدنى إهتماماتها حمل أي رسالة توعوية أو معالجة أية قضية، وإنما تحقيق الربح عن طريق زيادة عدد المشاهدات والإشتراكات في إطار تنفيذ خطط الإنتاج والتسويق والتي تشمل التنوع الثقافي والجغرافي لتحقيق أكبر تغطية وإختراق لجميع الأسواق على سطح هذا الكوكب. لذلك نرى برامج متشابهة من شتى الجنسيات وشتى اللغات وشتى المناطق الجغرافية. ولذلك أيضاً نرى أن هذا المسلسل في تأليفة ونصه وإنتاجه وإخراجه كان خليطاً هندياً، كندياً، لبنانياً، أردنياً، بالإضافة إلى جنسيات أخرى.
من الناحية الدرامية أعتقد أن مسلسل "جنّ" لا يستحق النقد الدرامي العميق وهو أصلاً لايطمح لذلك، تماماً كبقية هذه المسلسلات الفصلية الموجة لهذه الفئة العمرية.
أما من ناحية الأداء التمثيلي، لاشك بأن هناك مواهب محلية يافعة أتقنت الأدوار بتلقائية وجمالية وإن لم تسعفها ركاكة النص، ولم يكن لهذه المواهب أن تحظى بهذه الخبرة والظهور العالمي إن لم يكن في مثل هذا الإنتاج من نت فليكس. أتوقع لعدد منهم نجاحات متميزة في المستقبل إن حظوا بالفرص المناسبة.
لعل ما أصابنا من فزع بعد مشاهدة هذا المسلسل، أو بعد السماع عنه في أغلب الحالات، كان بسبب إكتشافنا المفاجئ بأن الجن راكبنا منذ الأزل لكنه لم يتبدى لنا إلا عندما تقمص شخصياتنا وحمل أسمائنا وتكلم بلغتنا ولهجتنا المحلية ليضعنا عنوة أمام أنفسنا لندرك مدى الإنفصام الذي نعيش فيه. فمن أصابه الهلع من سماع بعض الكلمات النابية على شاشة التلفزيون باللغة العربية للمرة الأولى عليه أن يراجع مخزونه اللغوي الخاص ومحاولة إحصاء آلاف المرات التي إستخدم فيها نفس هذه الألفاظ مع أصدقاءه أو أثناء قيادة السيارة أو خلال مشادة كلامية أو مزاح في مكان العمل أو حتى في المنزل. كذلك الأمر لمن هاله مشاهدة ثلاث قبلات، فله أن يتذكر عدد القبلات والأحضان والمشاهد الساخنة في كل الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والتي غالباً ما يشاهدها مع أفراد العائلة مجتمعين وخصوصاً خلال شهر رمضان المبارك.
أما من يعتقد بضرورة نصب المشانق لكل من شارك أو ساهم في إنتاج أو عرض هذا البرنامج فأقول، جن اللي يركبك ويركبة. شوفولكم سيرة ثانية.
صباح الخير في الليل، وجمعة مباركة على الجميع.
كميل حلمي