السبت، 22 ديسمبر 2012

نهاية العالم جانجام ستايل


أول الانطباعات عند وصولي عمان لقضاء اجازة قصيرة، قبل يوم واحد من الموعد المقرر لنهاية العالم في ٢١ ديسمبر ٢٠١٢ حسب تقويم حضارة المايا.  بداية درامية موفقة للحدث.
على الارض رياح زمهرير شديدة البروده مثيره للغبار، وزوابع متفرقه على جانبي طريق المطار أخذت شكل حوّامات تحمل أتربه واكياس نايلون بألوان واشكال متعددة، إضافةً الى اجسام اخرى غريبة. في السماء غيوم سوداء مكفهرة مسرعة واخرى متلبده مجهولة اللون بدت في ترصد وحيرة من امرها، هل تسقط المطر أم تقرر إسقاط القذائف أو مزيداً من الاتربه أو أي شي آخر. في الشارع، إكتظاظ ملحوظ لمركبات متعددة يصعب تمييز موديلاتها بسبب اكتساءها جميعاً بالوحول والأتربة الملتصقة بفعل أمطار فائتة. لم يكن هناك تجمع للمياه او سبخات على جوانب الطريق، كانت الارض في حالة جفاف مقشعر، ربما بفعل الرياح العاتية او ربما لعطش الارض الشره للمياه. 
إتصلت زوجتي للاطمئنان حيث أفادت ان السماء قد إنشقت في خلدا وبدأت بإطلاق البَرَد وان الأرض قد فاضت بالسيول وكادت حبات البرد المتجمد ان تفتك بزجاج النوافذ والمركبات.
لم يكن الامر كذلك على بعد كيلومترين من خلدا في شارع عبدالله غوشة.  لا أمطار ولاسيول، كان الشارع مزدحم كعادته، الأشخاص على جانبي الطريق في حالة ارتباك ظاهر، بعضهم قد تأبط بعض الحاجيات وآخرون قد تلفحوا بمعاطف ثقيلة يتقافزون على عجل في عدة اتجاهات فيما بدا كأنه طواف أخير لشراء التموين استعداداً لنهايةٍ قد تطول. احدهم اندفع فجأة امام المركبة حتى كدنا ان نصدمه، كان قد اخفى يديه في معطف عسكري قديم وسار مسرعاً في حركة متشنجة جعلت كتفيه مرتفعين وملتصقين بلثام رأسه الذي غطى جل وجهه الا فتحةً صغيرة للعينين وشق آخر امتدت منه سيجارة مشتعلة. رمقنا بنظرة احتجاج واستياء وتمايلت السيجارة صعوداً وهبوطاً بحركة تشي بتلفظه ببعض الكلمات. قفز كبهلوان الى الجانب الآخر من الطريق والذي كان اكثر ازدحاماً وصخباً بسبب المركبات المتوقفة على جانب الطريق ومركبة اخرى متوقفة في وضع مزدوج لم تترك من الشارع الا مسرباً واحداً للعبور. عندها فقط أخرج يده اليسرى من جيبه وفتح باب تلك المركبة واندس داخلها وسط صخب من التزمير. 
كانت الأمطار قد توقفت في خلدا ولم يبقى إلا أنهر جارفة من المياه والوحول تخترق الشوارع. عند وصولي الى البناية حيث اسكن كان احد الجيران قد قرر ان يحتفظ بزينة العودة من الحج منسدلة من الطابق الثاني ومتطايرة بعنف بفعل الرياح. باب البناية مشرع كالعادة بسبب خلل بنيوي في هندسة البوابة فشلت جميع المحاولات لإصلاحه. تلك الرائحة الشتوية المألوفة المنبعثة من قبو البناية تعطي شعوراً بالحمد والارتياح بأن السكان اوعلى الأقل بعضهم مازال يستخدم السولار كوقود للتدفئة، غير ان الرائحة مختلفة قليلا عما اعتدت واكثر خنقاً، ربما بسبب سولار اقل جودة عما كان متوفراً في سنين مضت. 
المصابيح الداخلية لمصعد البناية لاتعمل... لابأس فالمصعد مازال يعمل ويمكن تصليح الإنارة فتكلفتها قليلة، او ربما لاداعي لإصلاحها اساساً فنهاية العالم قائمة. زينة العودة من الحج كانت قد وصلت الى باب شقتي وصولاً من الشقة المقابلة. ايضاً لا بأس، فالأجدر بي ان ازور جاري العزيز لتقديم التهاني فموسم الحج كان قد انقضى منذ شهرين او اكثر.
في المساء زادت شدة الرياح وهطول الأمطار ورعدت السماء في دليل آخر على بدء النهاية. صباحاً كان الهدوء يعم المكان وانقضت ساعتان بنفس الهدوء المريب. لم يكن يقطع هذا الهدوء أي صوت ولا أية حركة في الشارع، حتى صوت سيارة توزيع الغاز الذي اعتدناه لسنوات اختفى اختفاءاً تاماً.  لا شك بأن هذا دليل قطعي على نهاية العالم، على الأقل في عمّان. التلفاز لايعمل ربما بسبب عطل بلاقط الستيلايت، او ربما تعطلت جميع الأقمار الصناعية او سقطت على الارض، او تم ابتلاعها من قبل ثقب اسود قد اقترب لابتلاع الكوكب. بدأت بعض الاصوات تتعالى في الافق، اصغيت السمع، كان صوتاً آدمياً في مكبرات للصوت، لعله خطيب المسجد القريب، قبل آذان الجمعة اوبعده لست متأكداً، كان يخطب بأعلى صوته بحزم واصرار كمن ينادي للنفير العام. لم استطع تمييز الكلمات حيث مالبث خطيب المسجد المجاور ان بدأ بدوره، ولحقه آخر. انه النفير العام لاشك. انها المعركة الختامية، أرماجيدون على الأرجح. بدأت قشعريرة تسري في جسدي، لقد فات الأوان، نجى من نجى وهلك من هلك. لم استطع ان احدد حقيقة شعوري، فأنا لست قلقاً من نهاية العالم، أنا في الحقيقة قلق من استمراره على هذه الحال. 
مضت ساعتان، توقف المطر وانقشعت الغيوم. قررت الخروج من البيت، فتحت مذياع السيارة ابحث عن اية اخبار تفيد بحالة العالم.  لم ينته العالم في الولايات المتحده فإذاعة "سوا" مازالت تبث سوا تشات، واذاعة البي بي سي مازالت تبث من لندن، ولاشك ان الجزيرة ما زالت تبث من الدوحة. استقريت على اذاعة إف إم محلية، كانت تبث أغنية جانجام ستايل. 
لم ينتهي العالم. العالم مستمر ... ولكن بطريقة جانجام ستايل.

كميل حلمي. 
عمّان، بعد النهاية بقليل.