عن التواصل الإجتماعي
لا أشك في أهمية بعض القنوات مثل فيسبوك وواتس آب وتويتر وغيرها. لكن هناك لُبْسٌ قد يكون وليد للفوضى أو لعدم التدقيق. بعضنا إنطلى عليه ذلك اللُّبْس وبعضنا مازال يحتفظ به كغصّة في الحلق. يكمن ذلك اللُّبْس في التعريف وفي التطبيق.
فقنوات التواصل الإجتماعي كما نسميها ليست من الإجتماعية بشيء، بل هي في التطبيق نقيض لذلك التعريف. فبسبب تلك القنوات إنعدم التواصل الشخصي المباشر، وبات من الكافي طباعة بعض الكلمات أو نشر بعض الصور أو المقاطع وبثها على الملأ، أو لمجموعة إفتراضية ما، بإنتظار حصاد الإعجاب والإبتسامات والقبلات الإفتراضية أو التصفيق. وبات من البديهي بأنه أو بأنها أو بأنني قد بَلّغْت وصار لزاماً على من بُلِّغَ أو حتى من فاته التبليغ أن يكتفي بذلك كدليل على إستمرار التواصل والمحبة، أصاب ذلك أم لم يصب. وبات على الطرف الأول أيضاً الإكتفاء بالإموجي كرَدّ كاف على ذلك التواصل الإفتراضي.
ضجرت من تلك الطقوس اليومية المتكرره حد الهوس في التنقل بين كل تلك المجموعات وبين كل تلك الصفحات في البحث لاهثاً عن رسالة أو عن بضع كلمات ربما تكون قد وجّهت لي شخصياً من عزيز أو من قريب. سئمت من هذا الكمّ الهائل من الضجيج والتلوث بحثاً عن لاشيء أو عن صديق إفتراضي غير موجود. أينما هرولت تعثرت بنكتة سمجة أو بصورة وقحة، وكلما إستعدت مسيري إصطدمت بحائط ملوث بكل أصناف القيء والبراز. ألتقط أنفاسي قليلاً لأبدأ الهرولة من جديد. يا لهذا البؤس، يا لهذا الضياع.
ربما علينا تسمية الأشياء بأسمائها وإعادة الإعتبار للتواصل الإجتماعي، للتواصل الإنساني، للتواصل الشخصي. لنكف عن تسمية هذه القنوات بقنوات التواصل الإجتماعي، ولنعطها إسمها الحقيقي وهو قنوات التواصل الجماعي وليس الإجتماعي، ولتبقى كذلك بكل سرور لمن أراد وكيفما أراد، منبراً شخصياً للأحقاد، بوقاً إعلامياً للسفاهات، معرضاً شخصياً للطوابع واللوحات، أو حتى مرتعاً لعلاقات هلامية بلا ملامح وبلا صفات. لكن ليعد التواصل الشخصي بما يحمل من حميمية وصدق للعلاقات الإنسانية.
لذلك ومن الآن سوف أبدأ بالإنسحاب تباعاً من بعض المجموعات الإفتراضية التي ضلّت هدفها، مع ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للتواصل الشخصي وليس الجماعي، سواءاً من خلال تلك القنوات الإخوات أو من خلال قنوات وطرق بدائية عفى عليها الزمن مثل الموبايل أو الإيميل أو حتى سكايب.
كميل حلمي
عمّان، 28 كانون الأول 2017