هل إنتشار الأحقاد على إمتداد الخريطة العربية بمختلف أشكالها الطائفية والجهوية والقبلية والسياسية هو وليد تراكمات موضوعية بلغت حد الإنفجار، أم أن هناك أسباب أخرى؟ هل هي الحتمية التاريخية للصدام بين الأضاد بعد أن نضجت وتهيأت الظروف والأسباب؟ أم إنها ولادات متعسرة لأجنة غير مكتملة النمو تشوهت في رحم الأدمغة حتى قبل الولادة؟
هذا المقال هو محاولة للإجابة على بعض من تلك الأسئلة أو على الأقل محاولة لتفحص الموضوع من جوانب جديدة.
لست هنا بصدد الخوض بتفاصل تلك النعرات، ولا بصدد الدفاع عن بعضها أو مهاجمة بعضها الآخر، وإنما هي محاولة لفهم سبب هذا الغليان المنذر بإنفجارات عنقودية مبشرة بمتوالية لانهائية من الفتن.
في العديد من الأزمات الراهنه، لا أعتقد أن ما يحدث من تأجيج وتحريض طائفي وقبلي وسياسي بهذا الزخم الهائل هو شيء طارئ أو وليد اللحظة الراهنة أو له ما يبرره من مستجدات موضوعية، وإنما تلك المستجدات هي في ذاتها نتاج طبيعي للتكثييف والتضخيم الهائل من التحريض والتحريض المضاد.
أكاد أجزم أن كره الآخر كان وما زال موجوداً في الموروث الثقافي والإجتماعي ولم ينقطع أبداً، وعلى مختلف الصعد، سياسياً كان أم قبلياً أم طائفياً. لنكن صريحين هنا، فنظرة الشك والتوجس والكره إلى حد العداء هي أساس الخلل البنيوي في نظرتنا إلى الآخر، سواءاً كان هذا الآخر هو إبن قبيلة أخرى، أو دين آخر، أو طائفة أخرى، أو طبقة إجتماعية أخرى، أو حزب سياسي آخر. فنظرتنا دائماً متعالية تجاه من لايشاركنا جماعتنا المرجعية ويدين بها وبموروثها، أو بالأحرى فإن نظرتنا دونية يشوبها الشك والإتهام بل والإحتقار لمن هم غيرنا. كنا ومازلنا نمارس ذلك ضمن إطار جماعاتنا الناظمة الضيقة، كالعائلة، القبيلة، الطائفة، الحزب السياسي، إلخ، وذلك من خلال الثقافة السائدة المحصورة بذلك الإطار، وقلما كانت تلك الكراهية تعلن صراحة على الملأ خارج ذلك الإطار وبهذا الوضوح وتلك الفجاجة، بإستثناء حالات محصورة ومعزولة.
للإختصار اللغوي والموضوعي يمكننا إختزال كل تلك الأوصاف سابقة الذكر بعبارة واحدة فقط، هي العنصرية المقنعة تجاه الآخر. يمكننا تسميتها ما نشاء أو تجميلها أو تبريرها، أو إيجاد السند لها، ولكنها تبقى هي العنصرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
إذن فالخلل هو خلل بنيوي في نظرتنا خارج إطار أنفسنا، هو خلل بنيوي لم يستطع الكثير منا الإنتباه إلى مدى خطورته أو محاولة تصحيحه لتقبل الآخر على قاعدة المساواة والإحترام وتقاسم الحقيقة مع إختلاف وجهات النظر. هذا يرجع إلى النرجسية المطلقة والنفاق مع الذات وكذلك بسبب الولاءات المتعددة التي في مجملها تقع دون مستوى الولاء الجامع والشامل لوطن واحد وقانون واحد يخضع له الجميع ويتساوون تحت ظله مع إختلاف مشاربهم ومعتقداتهم.
ذلك جانب واحد من هذه الظاهرة، أما الجانب الآخر فهو إنتشار هذه العنصرية إلى درجة التأزيم والإحتقان والإنفجار، وهذا يرجع في إعتقادي إلى الإعلام الحديث بشقية الفضائي والإجتماعي. أما الإعلام الفضائي فهو بيد القلة القيادية ومن يمولهم في سياق المصالح المتقاطعة حيناً والمتضاربة أحياناً، وقد تم التعرض لهذا الإعلام ودوره التحريضي من خلال العديد من المقالات والحوارات، أما الشق الآخر المرتبط بالأفراد والمجاميع فهو الإعلام الإجتماعي من فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب وغيرها، بالإضافة إلى وسائط التعاطي مع هذا الإعلام من هواتف ذكية ولوحية حديثة لم تكن متوفرة من قبل بهذا الإنتشار وهذه التقنية المتقدمة.
إن نظرة سريعة إلى صفحات الفيسبوك أو قراءة لتغريدات تويتر تعكس وتفضح التشوه الحاصل في البناء العقلي والأخلاقي والقيمي على إمتداد الخريطة العربية، وتعكس الهوس بإزدراء الآخر و شيطنته على الملأ. فلا تكاد تمر دقيقة واحدة على الفيسبوك أو تويتر حتى ترى مادة عنصرية جديدة، سواءاً على شكل تعليق بذيء أو نشرٍ لمقطع فيديو لمهووس أحمق يجتر الماضي السحيق ويعيد إنتاجه، أو صورة تم تزييفها برداءة تحرض أو تزدري الآخر، أو تخويف وترهيب، أو نذير ووعيد.
إن نشر تلك السفاهات وإعادة نشرها والإعجاب بها بتلك الكثافة وهذا الإنتشار هو أشبه بإحتفال هستيري يرافقه إطلاقٍ لأعيرة نارية وقنابل عنقودية عشوائية، تصيب من تصيب وتجرح من تجرح، دون إكتراث بالأضرار الفادحة والدمار الحاصل، والدمار القادم بسبب عنصرية مسكونة بخرافة الأنا وضرورة الإنتصار على الآخر وتدميره من أجل غدٍ أفضل!
إن إمكانية النشر الفوري المتاح للجميع بسهولة غير مسبوقة أدى إلى إنتشار الأحقاد وتأزيمها حتى أصبح الإعلام الإجتماعي ساحة حرب إفتراضية ومنصة تدريب وتهيئة لحرب حقيقية لا تلبث أن تنتقل إلى أرض الواقع في مختلف الميادين.
أعتقد أسفاً أننا مازلنا نحمل عقليات جاهلية قديمة لم تتغير ولم تنشأ حديثاً، وإنما وجدت فرصة الإنتشار السريع وفضح ذاتها المشوهة. أعتقد أننا فشلنا حتى الآن في مواكبة التطور الإنساني وإن كنا من رواد إستخدام وإستهلاك أدواته الحديثة. أعتقد أن داحس والغبراء مازالت تسكننا، ولم يهدأ ثأرنا منذ ذلك الحين.
كميل حلمي
٥ يوليو ٢٠١٣