لقارئ متواضع أو موسمي، لم تكن الأعمال الروائية الأولى لإبراهيم نصرالله سهلة الهضم أو حتى ممتعة للقراءة، وإن إمتازت دائماً بعمق المضمون، فقد كانت مليئة بالرموز والألغاز وحتى الطلاسم في بعض الأحيان. لكن تطوراً ملحوظاً قد طرأ على أعماله الروائية الحديثة خلال السنوات الماضية جعل كل عمل جديد يتفوق على سابقه في جمالية الأسلوب والتفرد، والإنسياب الشعري للأحداث والشخصيات، وكذلك في رشاقة اللغة ورقيها.
شرفة الهاوية، في أسلوبها السهل الممتنع، والممتع في آن، هي تتويج لحرفية عالية في تطويع أساليب الرواية المختلفة لخدمة الموضوع الرئيسي في العمل الروائي. فبجانب عذوبة الأسلوب وقربه من القارئ البسيط، إمتلأت الرواية بالعمق الإنساني والتشريح الثقافي والسياسي لخصوصية المجتمع الأردني، والذي وأن تشابه مع بعض المجتمعات العربية الأخرى إلا أنه يحتفظ ببعض الخصوصية في التركيبة السكانية وتجلياتها في العلاقة ما بين السلطة وفئات المجتمع المختلفة كما أشار لها الكاتب في عدة محاور رئيسية في الرواية.
لم يفت نصرالله أن ينبه القارئ منذ البداية، في أسلوب ذكي ومباشر وفي سياق أحداث الرواية ذاتها، إلى عدم أخذ هذا العمل الأدبي بسطحيه مباشرة، والتي حتى وإن إكتفى بها القارئ البسيط فلن تنقص العمل جماليته وقيمته الأدبية. فقد نبه القارئ إلى التمعن في الشخصيات والأحداث لإستنباط المعنى الحقيقي والعميق للعمل الفني والإنعكاس الفلسفي والسياسي لهذا العمل، فلا شيء يوضع في العمل الفني أو الأدبي إلا ويكون له وزنه ومعناه. ولهذه وتلك شهادة غير مشكوك بها في جميع أعمال إبراهيم نصرالله منذ أعماله الأولى المغرقة في الرمزية، مروراً بالشرفات، إلى تطور الأسلوب الملحمي الإبداعي في أعمال الملهاة الفلسطينية، وصولاً إلى السهل الممتنع والممتع في شرفة الهاوية. فقد إقتصرت هذه الرواية على ثلاثة شخصيات رئيسية وبعض الشخصيات الثانوية، والتي بضئالة دورها كانت مكلمة ضرورية وأساسية لتماسك الأحداث ودلالاتها الإجتماعية والسياسية لتشكل في مجملها رؤوية نقدية عميقة للواقع الإجتماعي والسياسي للوطن الأردني خلال ثلاثين عاماً.
لم يكتفي إبراهيم نصرالله بتقديم عمل أدبي راق، بخصوصية محلية، وإنما إستخدم هذا العمل كأطروحة لدراسة ذهنية السلطة أينما كانت، وديناميكية العلاقة بينها وبين مجتمعاتها في سياق تجديدها المستمر لذاتها، وكذلك الأمر في دراسة أزمة النخب السياسية والثقافية لهذه المجتمعات، ورفدها الطوعي لأسباب بقاء وتجدد هذه السلطة أو تلك وإن إمتلأت فساداً وقمعاً.
عمل إبداعي من الدرجة الأولى، يضاف إلى باقة لاتقل إبداعاً من أعمال سابقة لأديب عالمي، في أسلوب سلس إقترب من القارئ البسيط ومفردات الحياة العمّانية اليومية، ليضع القارئ على بعد خطوات من شرفة الهاوية.
كميل حلمي