الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

شرفة الهاوية


لقارئ متواضع أو موسمي، لم تكن الأعمال الروائية الأولى لإبراهيم نصرالله سهلة الهضم أو حتى ممتعة للقراءة، وإن إمتازت دائماً بعمق المضمون، فقد كانت مليئة بالرموز والألغاز وحتى الطلاسم في بعض الأحيان.  لكن تطوراً ملحوظاً قد طرأ على أعماله الروائية الحديثة خلال السنوات الماضية جعل كل عمل جديد يتفوق على سابقه في جمالية الأسلوب والتفرد، والإنسياب الشعري للأحداث والشخصيات، وكذلك في رشاقة اللغة ورقيها.
شرفة الهاوية، في أسلوبها السهل الممتنع، والممتع في آن، هي تتويج لحرفية عالية في تطويع أساليب الرواية المختلفة لخدمة الموضوع الرئيسي في العمل الروائي.  فبجانب عذوبة الأسلوب وقربه من القارئ البسيط، إمتلأت الرواية بالعمق الإنساني والتشريح الثقافي والسياسي لخصوصية المجتمع الأردني، والذي وأن تشابه مع بعض المجتمعات العربية الأخرى إلا أنه يحتفظ ببعض الخصوصية في التركيبة السكانية وتجلياتها في العلاقة ما بين السلطة وفئات المجتمع المختلفة كما أشار لها الكاتب في عدة محاور رئيسية في الرواية.
لم يفت نصرالله أن ينبه القارئ منذ البداية، في أسلوب ذكي ومباشر وفي سياق أحداث الرواية ذاتها، إلى عدم أخذ هذا العمل الأدبي بسطحيه مباشرة، والتي حتى وإن إكتفى بها القارئ البسيط فلن تنقص العمل جماليته وقيمته الأدبية.  فقد نبه القارئ إلى التمعن في الشخصيات والأحداث لإستنباط المعنى الحقيقي والعميق للعمل الفني والإنعكاس الفلسفي والسياسي لهذا العمل، فلا شيء يوضع في العمل الفني أو الأدبي إلا ويكون له وزنه ومعناه.   ولهذه وتلك شهادة غير مشكوك بها في جميع أعمال إبراهيم نصرالله منذ أعماله الأولى المغرقة في الرمزية، مروراً بالشرفات، إلى تطور الأسلوب الملحمي الإبداعي في أعمال الملهاة الفلسطينية، وصولاً إلى السهل الممتنع والممتع في شرفة الهاوية.  فقد إقتصرت هذه الرواية على ثلاثة شخصيات رئيسية وبعض الشخصيات الثانوية، والتي بضئالة دورها كانت مكلمة ضرورية وأساسية لتماسك الأحداث ودلالاتها الإجتماعية والسياسية لتشكل في مجملها رؤوية نقدية عميقة للواقع الإجتماعي والسياسي للوطن الأردني خلال ثلاثين عاماً.
لم يكتفي إبراهيم نصرالله بتقديم عمل أدبي راق، بخصوصية محلية، وإنما إستخدم هذا العمل كأطروحة لدراسة ذهنية السلطة أينما كانت، وديناميكية العلاقة بينها وبين مجتمعاتها في سياق تجديدها المستمر لذاتها، وكذلك الأمر في دراسة أزمة النخب السياسية والثقافية لهذه المجتمعات، ورفدها الطوعي لأسباب بقاء وتجدد هذه السلطة أو تلك وإن إمتلأت فساداً وقمعاً.  
عمل إبداعي من الدرجة الأولى، يضاف إلى باقة لاتقل إبداعاً من أعمال سابقة لأديب عالمي، في أسلوب سلس إقترب من القارئ البسيط ومفردات الحياة العمّانية اليومية، ليضع القارئ على بعد خطوات من شرفة الهاوية.

كميل حلمي 

الخميس، 22 أغسطس 2013

خواطر ليست عابرة


في الربيع العربي
مسرحية كوميديا سوداء تعيشها الجماهير من المحيط إلى الخليج، وتلعب فيها دور البطولة والمشاهد في آن.  أما المؤلف والمخرج فهما في مكان ما، يرقبون الإبداع ويتباحثون في إعادة العرض مراراً وتكراراً مع تعديل بسيط على السيناريو هنا وهناك، ليلائم رغبة الجمهور الممثل، وخصوصية الزمان والمكان، وموهبة الممثلين.  
يا لها من موهبة. لا شك بأننا أبدعنا في التمثيل ... أبدعنا التمثيل في بعضنا البعض! 

في تعريف الوطن
لا أستطيع توصيف الوطن بشىء مطلق. فالوطن نسبي ككثير من الأشياء التي إعتقدنا طويلاً إنها حتمية وثابتة. علاقتك بالوطن قد تكون في بعض الأحيان علاقة حب من طرف واحد، أو حتى علاقة كره متبادل عندما يقتل الوطن أبناءه، أو عندما يقتتل أبناء الوطن الواحد.  الوطن هو الأهل والأصدقاء، هو الذكريات، هو الأشجار والطرقات، هو إختلاس قبلة في لحظة عابرة، هو محصلة تجارب فاشلة ومشاريع أحلام لم نغفوا طويلاً لنحققها. الوطن هو الهواجس والأشباح التي تسكنك أينما ذهبت. 
الوطن هو أنتَ ... وأنتَ منذ الآن، غيرك.

في تعريف العدو
الشعب الفلسطيني شعب محظوظ جداً. إحمدوا ربكم يا جماعة على النعمة اللّي عندكم. مش سهل مين مكان يلاقي عدّو حقيقي هالأيام.  وإسمعوها نصيحة، اللّي عندو عدّو حقيقي لايفرط فيه ... على الأقل لغاية ما تمر المربعانية العربية على خير، وبعديها الله بفرجها. حبيتوا تخلّوا عدوكم زي ما هوّ، ممكن ... حبيتوا تفاوضوه برضه خير وبركه. الناس غيركم عم تدوّر على الأعداء ومش لاقيين. عم يخلقوا أعدائهم من أهلهم وقرايبهم وأصحابهم، وهات يا دبح وهات يا قتل بس منشأن الله خلّينا أعداء. 
لا تجحدوا بالنعمة اللّي غيركم حاسدكم عليها وبعديها تقولوا يا ريت اللي كان.


في الوطنية والإيمان
خط رفيع يفصل ما بين الكبرياء والوطنية والإيمان، وما بين العنصرية والظلامية وإزدراء الآخر.  تحمسنا الأهوج تجاه الصفات الأولى يدفع البعض للإنزلاق تلقائياً نحو الثانية … مع الجهل وفوضى الممارسة يختفي الفرق بين الأثنين.


في الملائكة والشياطين
لو رفضنا مقولة أن الأنظمة الحكامة هي محصلة طبيعية لشعوبها بناءاً على نظرية الإنتخاب الطبيعي، ولو إفترضنا أن الحكام هم مخلوقات فضائية هبطت من السماء على شعوب من الملائكة.  لو إفترضنا ذلك، كيف نفسر  إلتفاف الملائكة حول قيادة من الشياطين، وكيف نفسر مبايعتها لهم بالروح والدم من أجل القضاء على ملائكة أخر، وزج بعضهم الآخر في سجيل.  أليست الملائكة ملائكة، والشياطين شياطين؟ أم أنهم وجهان لذهنية واحدة؟

في رثاء الكلمة والقلم
فقدت الكلمات رونقها عندما توقفنا عن كتابتها.  غدت حروفها بلا ملامح ولا أنغام عندما هُجِّرت قسراً من سهول موطنها، من أوراق دفاترها إلى زنازين من زجاج.  لم تعد تنبض بحبرها بعد أن غدت وليدة خلاسية للوحة مفاتيح. سبية أصبحت بعد أن أغتيل أباها القلم، وبعد أن جفت دماؤه وتُرك للذكريات.


في الخرفان والثيران
أكلت يوم أكل الثور الأبيض... كل واحد يعربها بفصاحته اللغوية. أنا شخصياً أعتقد أنها ممنوعة من الصرف في سوق المواشي، وعصية على العقل العربي  وبكره العيد وبنعيد وبنذبح بقرة السيّد... أما السعيد بذبح البقرة، ليعلم جيداً أن ذبح الخراف لن يتوقف بعدها.



كميل حلمي

الجمعة، 5 يوليو 2013

عن معاركنا الحديثة ... والقديمة


هل إنتشار الأحقاد على إمتداد الخريطة العربية بمختلف أشكالها الطائفية والجهوية والقبلية والسياسية هو وليد تراكمات موضوعية بلغت حد الإنفجار، أم أن هناك أسباب أخرى؟  هل هي الحتمية التاريخية  للصدام بين الأضاد بعد أن نضجت وتهيأت الظروف والأسباب؟ أم إنها ولادات متعسرة لأجنة غير مكتملة النمو تشوهت في رحم الأدمغة حتى قبل الولادة؟
هذا المقال هو محاولة للإجابة على بعض من تلك الأسئلة أو على الأقل محاولة لتفحص الموضوع من جوانب جديدة. 
لست هنا بصدد الخوض بتفاصل تلك النعرات، ولا بصدد الدفاع عن بعضها أو مهاجمة بعضها الآخر، وإنما هي محاولة لفهم سبب هذا الغليان المنذر بإنفجارات عنقودية مبشرة بمتوالية لانهائية من الفتن.
في العديد من الأزمات الراهنه، لا أعتقد أن ما يحدث من تأجيج وتحريض طائفي وقبلي وسياسي بهذا الزخم الهائل هو شيء طارئ أو وليد اللحظة الراهنة أو له ما يبرره من مستجدات موضوعية، وإنما تلك المستجدات هي في ذاتها نتاج طبيعي للتكثييف والتضخيم الهائل من التحريض والتحريض المضاد.  
أكاد أجزم أن كره الآخر كان وما زال موجوداً في الموروث الثقافي والإجتماعي ولم ينقطع أبداً، وعلى مختلف الصعد، سياسياً كان أم قبلياً أم طائفياً.  لنكن صريحين هنا، فنظرة الشك والتوجس والكره إلى حد العداء هي أساس الخلل البنيوي في نظرتنا إلى الآخر، سواءاً كان هذا الآخر هو إبن قبيلة أخرى، أو دين آخر، أو طائفة أخرى، أو طبقة إجتماعية أخرى، أو حزب سياسي آخر.  فنظرتنا دائماً متعالية تجاه من لايشاركنا جماعتنا المرجعية ويدين بها وبموروثها، أو بالأحرى فإن نظرتنا دونية يشوبها الشك والإتهام بل والإحتقار لمن هم غيرنا.  كنا ومازلنا نمارس ذلك ضمن إطار جماعاتنا الناظمة الضيقة، كالعائلة، القبيلة، الطائفة، الحزب السياسي، إلخ، وذلك من خلال الثقافة السائدة  المحصورة بذلك الإطار، وقلما كانت تلك الكراهية تعلن صراحة على الملأ خارج ذلك الإطار وبهذا الوضوح وتلك الفجاجة، بإستثناء حالات محصورة ومعزولة.
للإختصار اللغوي والموضوعي يمكننا إختزال كل تلك الأوصاف سابقة الذكر بعبارة واحدة فقط، هي العنصرية المقنعة تجاه الآخر.  يمكننا تسميتها ما نشاء أو تجميلها أو تبريرها، أو إيجاد السند لها، ولكنها تبقى هي العنصرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.  
إذن فالخلل هو خلل بنيوي في نظرتنا خارج إطار أنفسنا، هو خلل بنيوي لم يستطع الكثير منا الإنتباه إلى مدى خطورته أو محاولة تصحيحه لتقبل الآخر على قاعدة المساواة والإحترام وتقاسم الحقيقة مع إختلاف وجهات النظر.  هذا يرجع إلى النرجسية المطلقة والنفاق مع الذات وكذلك بسبب الولاءات المتعددة التي في مجملها تقع دون مستوى الولاء الجامع والشامل لوطن واحد وقانون واحد يخضع له الجميع ويتساوون تحت ظله مع إختلاف مشاربهم ومعتقداتهم.
ذلك جانب واحد من هذه الظاهرة، أما الجانب الآخر فهو إنتشار هذه العنصرية إلى درجة التأزيم والإحتقان والإنفجار، وهذا يرجع في إعتقادي إلى الإعلام الحديث بشقية الفضائي والإجتماعي.  أما الإعلام الفضائي فهو بيد القلة القيادية ومن يمولهم في سياق المصالح المتقاطعة حيناً والمتضاربة أحياناً، وقد تم التعرض لهذا الإعلام ودوره التحريضي من خلال العديد من المقالات والحوارات، أما الشق الآخر المرتبط بالأفراد والمجاميع فهو الإعلام الإجتماعي من فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب وغيرها، بالإضافة إلى وسائط التعاطي مع هذا الإعلام من هواتف ذكية ولوحية حديثة لم تكن متوفرة من قبل بهذا الإنتشار وهذه التقنية المتقدمة.   
إن نظرة سريعة إلى صفحات الفيسبوك أو قراءة لتغريدات تويتر تعكس وتفضح التشوه الحاصل في البناء العقلي والأخلاقي والقيمي على إمتداد الخريطة العربية، وتعكس الهوس بإزدراء الآخر و شيطنته على الملأ.  فلا تكاد تمر دقيقة واحدة على الفيسبوك أو تويتر حتى ترى مادة عنصرية جديدة، سواءاً على شكل تعليق بذيء أو نشرٍ لمقطع فيديو لمهووس أحمق يجتر الماضي السحيق ويعيد إنتاجه، أو صورة تم تزييفها برداءة تحرض أو تزدري الآخر، أو تخويف وترهيب، أو نذير ووعيد.
إن نشر تلك السفاهات وإعادة نشرها والإعجاب بها بتلك الكثافة وهذا الإنتشار هو أشبه بإحتفال هستيري يرافقه إطلاقٍ لأعيرة نارية وقنابل عنقودية عشوائية، تصيب من تصيب وتجرح من تجرح، دون إكتراث بالأضرار الفادحة والدمار الحاصل، والدمار القادم بسبب عنصرية مسكونة بخرافة الأنا وضرورة الإنتصار على الآخر وتدميره من أجل غدٍ أفضل! 
إن إمكانية النشر الفوري المتاح للجميع بسهولة غير مسبوقة أدى إلى إنتشار الأحقاد وتأزيمها حتى أصبح الإعلام الإجتماعي ساحة حرب إفتراضية ومنصة تدريب وتهيئة لحرب حقيقية لا تلبث أن تنتقل إلى أرض الواقع في مختلف الميادين. 
أعتقد أسفاً أننا مازلنا نحمل عقليات جاهلية قديمة لم تتغير ولم تنشأ حديثاً، وإنما وجدت فرصة الإنتشار السريع وفضح ذاتها المشوهة.  أعتقد أننا فشلنا حتى الآن في مواكبة التطور الإنساني وإن كنا من رواد إستخدام وإستهلاك أدواته الحديثة.  أعتقد أن داحس والغبراء مازالت تسكننا، ولم يهدأ ثأرنا منذ ذلك الحين.

كميل حلمي
٥ يوليو ٢٠١٣

الأحد، 23 يونيو 2013

إحتفالية سوناتا القمر


في الأمس إقترب القمر من غزة وأنار شواطئها.  توقف قليلاً  فوق بيروت وأسرع نحو الناصرة.  فوق رام الله والخليل، نابلس والقدس، إحتفل طوال الليل مع عشاق كانوا قد قرروا السهر... إحتفاءاً بالقمر، وإحتفاءاً  بالفرح، كنوعٍ من التغيير ليس إلا، وكسرٍ لرتابة حصار طال وإستمر.
ليست مصادفة أن يقترب القمر من الأرض مرة كل عام، في زيارة فريدة.  ربما ليضيء قلوباً تعودت على الحزن وعلى وداع الشهداء.  ربما ليحتفي بشعب تعود على الحداد ولم تحالفه الحياة فرصة الإحتفال.  ربما تواطأ القمر مع ستون مليون عاشق، سكنوا خريطةً إمتدت من محيط إلى خليج. ربما إحتفالاً  منهم بالغناء، أو ربما هدية لشعب تعود الرحيل قبل الإحتفال، في خضم إنشغاله الدائم مع الحجر. 

كميل حلمي، في ليلة إقتراب القمر
٢٣ يونيو ٢٠١٣