قد لايكون من الإنصاف أو الموضوعية التعرض النقدي لعمل درامي تلفزيوني من خلال الحكم على أول ثلاث حلقات من أصل ثلاثين أو أكثر. لكن ما يدفعني لعدم الموضوعية هو إستحالة الحيادية، وذلك لخصوصية الشخصية موضوع المقال.
مع كل التقدير لنخبة الفنانين من ممثلين وممثلات ولحسن نواياهم في إنجاز هذا العمل، فإنه من المؤسف أن يرتبط إسم محمود درويش بهذه الصورة الباهتة في ذهن من لم يعرفوه ولم يقرؤوه. واللوم هنا يقع على المخرج نجدة أنزور لإختياره الخاطىء للموضوع أولاً وللممثل الرئيسي فراس إبراهيم ثانياً. ليس إنتقاصاً من قدرة الفنان إبراهيم التمثيلية، ولكن لمحدودية البنية الجسدية وكذلك التعبيرية فيما يتعلق بقدرته على تقمص شخصية وجدانية عملاقة كشخصية محمود درويش، هذا إذا إفترضنا جدلاً أن حياة درويش قابلة للعرض تلفزيونياً في المقام الأول. فالبنية الجسدية للممثل لا تتناسب مع قامة درويش المشدودة، وكذلك تعبيرات وجهه الطفولية لا تتناسب مع ثبات الملامح وجديتها على مُحيا درويش. هذا فيما يتعلق بتصوير الشخصية.
أما إختيار الموضوع فأعتقد أن سيرة حياة درويش لا تصلح بحد ذاتها كعمل قصصي، فهي قد لاتختلف عن حياة أي فرد عادي في تفاصيلها اليومية. ولا يمكن تقديم محمود درويش بقيمته الفكرية والأدبية من خلال بعض القصص والمواقف، فحياته ليست قصة حب مشتعلة، ولا معارك بطولية، ولا مطاردات نسائية. حياته هي نصوص فلسفية لا يمكن سردها ضمن حدّوتة تلفزيونية حتى وإن تخللتها مشاهد عاطفية ممتلئة بقبلات وأحضان جريئة.
لم يكن درويش شخصية سطحية ولا هلاميه تتمايل وتترنح في رومانسية مراهقة، ولم يكن يطلق إبتسامات بلهاء طفولية. محمود درويش كان نبياً لشعب ضُرب عليه التيه ستون عاماً، كان رسولاً مخولاً لفضح مهزلة الزمان وتحدّيها، كان ناطقاً رسمياً بإسم الحجر وشجر الصنوبر وأحلام تناثرت وسحقت تحت أقدام الغزاة، كان جاراً للمسيح، كان حوارياً بعث من زمن بعيد، كان حبراً، وكان صوتاً يسكن شعباً ويقض مضجعه.
عند التطرق لهكذا شخصية لا يوجد مكان للمجامله ولا تقبل المساومة. لا يمكن إختزال محمود درويش في دراما تشويقية تتخللها الإعلانات التلفزيونية. محمود درويش ليس قصة حياه، محمود درويش هو فلسفة حياه، هو تعاليم كنعانية جائت من كتاب ضائع، كتاب شعب تمت مصادرته، كتابٌ عَكَفَ عليه الكهنة تزويراً وتحريفاً وبهتاناً، فتحول إلى ملهاة. محمود جاء مبشراً ومخلصاً لشعب أثقلته المصائب، لشعب أرهقه التيه والضياع فعَبدَ عِجلاً بدلاً من إله.
لايمكننا التطرق بنقد موضوعي لمحاولة تزوير، حتى مع حُسن النوايا ودقة التوثيق، فشخص محمود هو ملكٌ لشعبٍ في أرضه وشتاته. هو تاريخٌ ونبوئةٌ مستقبلية تم توثيقه في دَواوين وكُتب، من أراد معرفته فسبيله الوحيد هو قراءته والتوجع في دراسته، وليس مشاهدته للترفيه.
"يا أيها المتفرجون، تناثروا في الصمت،
وإبتعدوا قليلاً عنه كي تجدوه فيكم، حنطة ويدين عاريتين،
وابتعدوا قليلاً عنه كي يتلو وصيته، على الموتى إذا ماتوا،
وكي يرمي ملامحه على الأحياء إن عاشوا."
محمود جاء شاعراً فيلسوفاً يدعو شعبه لهجر مراقده، للتأمل، للتفكر، للتحليق، ليس مع أسراب السنونو فحسب، بل كطائر فينيق، يصحو من تحت الرماد فيلفظ ناراً في وجه الغزاة. لذلك نرجوكم ونرجوكم،
"لا تسرقوه من السنونو، لا تأخذوه من الندى،
لا تسرقوه من الأبد وتبعثروه على الصليب،
فهو الخريطة والجسد، وهو إشتعال العندليب."
كميل حلمي 04/08/2011